Hot

‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين العلوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نور الدين العلوي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 سبتمبر 2017

يوسف أيها المزنوق هل عدلت الحكومة؟

سبتمبر 05, 2017 0
نورالدين العلوي - Noureddine Aloui

نحتفظ بحقنا في السخرية من الحكومة وما جاورها فذلك حتى الآن مكسبنا الوحيد من الثورة ومن الديمقراطية. أما الحكم الرشيد المنتظر فاعتقد أنه اختفى في الدهليز وسيأتينا مع المهدي آه لقد جاءنا مهدي سابق وطلع (فأشوش) إذ اكتشفنا بيروقراطيا صغيرا يقيس حدود العالم بحواف مكتبه في شركة نفطية. ثم جاء يوسف وقلنا ستعمر خزائن الأرض ونؤتي الحكمة وحب الحصيد ها نحن في العجاف السبع نشاهد يوسف ونحسب أصابعنا قبل مرور الضرائب ونقول لا بأس من البئر المعطلة فعندنا القصير المشيد. حيث يسكن يوسف ويمشي أحيانا على قدميه ليعلمنا الرياضة وتخفيف وزن الشحوم الكثيفة التي نبتت بأوراكنا من طول انتظار الحكومة. يا يوسف أين الحكومة؟ يوسف مزنوق والحكومة متعسرة والشعب التونسي العظيم يغني مع المرحومة فاطمة (برّ هكاكة بر هكاكة)وترجمتها لأهل المشرق من العرب سر كما تيسر فأنت لم تكتشف الطريق. 
الحكومة حكومات ويوسف طري العود
يجب أن ننصف يوسف فهو شاهد على نفسه بالسعي في خير البلاد ولكنه طري العود على معارك الحكومات داخل حكومته. توجد حكومة أولى في الداخلية وثانية في التربية وثالثة في الصناعة والتجارة وربما يفتتح وزير الفلاحة حكومته الخاصة في الزراعة فكيف لليوسف لا "ينزنق" بين الحكومات وهو يتابعها زنقة زنقة دار دار حزب حزب. والشعب المدلل يقف له بالمرصاد ويريد فالشعب دوما يريد رواتب وزيادات 
كان يمكن أن تكون التعددية الحزبية وسيلة كافية ليجد رئيس الحكومة الأرصدة البشرية متوفرة بين يديه فيختار إذ تقترح عليه الأسماء فيختار بيسر ويمر إلى العمل لكن التعددية أمام يوسف بحيرات آسنة يُسمع فيها نقيق طويل.
توجد بحيرة النقابة أولا (حيث يتخفى اليسار التونسي العظيم) تحكم من خلف ستار هذا يروقني وهذا لا يروقني والاعتراض ليس على الكفاءة بل على الولاء الأيديولوجي فكل وزير خوانجي حتى يثبت خضوعه للنقابة والعمل بما تراه.
توجد بحيرة النداء الحزب الذي تبين له فجأة أنه منتصر في انتخابات نسينا تاريخها لفرط ما انفرط من نتائجها على الأرض حزب أغلبي على سجلات الانتخاب أقلي في البرلمان ويمسك بخناق المال ويمسك المال بخناقه فلا ينفصمان إلا في قائمة وزارء بلا كفاءة 
توجد بحيرة النهضة الحزب الثاني في السجلات والأول في البرلمان وبيده الحل والربط حتى بعد أن تخلى عن العنعنات. مرعوب من حكومة الداخلية ومرتبك في حكومة التربية وليس لديه حلول لحكومة الصناعة والتجارة. أما حكومة الثقافة فقد صرف عنها النظر خشية أن يتحول بيض المثقفين إلى حجر على رأس وزير خوانجي على الثقافة. لذلك تركت الأمر لأهله وولت الأدبار مولولة بالتنمية البشرية في القرى والمداشر.
التعددية الحزبية حتى الآن كارثة على التجربة الديمقراطية لأنها لا تنتج تحالفات وازنة ومستقرة بل تشتغل في العملية السياسية بطريقة التعطيل المتبادل للقوة بقاعدة عطل خصمك حتى لا يستقوي عليك بالحكومة وفيما نشاهده في تجارب ديمقراطية عريقة رأينا العمل يجري باستبعاد الخلافات الحزبية في التحالفات الحكومية من أجل حسن تسيير العمل الحكومي فتنجح حكومات الأحزاب أكثر مما تنجح حكومات الحزب الواحد الأغلبي. وقد صارت حكومات الحزب الوحيد نادرة بالنظر إلى ما تفرزه الساحات السياسية من تعدد على الأرض. تعدديتنا معطِّلة ويوسف طري العود.
يوسف الخيزران
أنه ليس طريا وإن توهمنا لننصفه من فشله. فنحن نريد أن نرى بسمارك في ثوب يوسف ونقول لنا رئيس حكومة قوي وقادر. إن طراوته تغريه بالانحناءات الكثيرة فقد صار له طموح رئاسي. ولقد صار للجميع في تونس طموح رئاسي. إذ يبدو أن اختفاء وجه الدكتاتور قد أغرى الجميع بالخروج إلى الصيد فالمناصب متاحة وما أسهل أن يقوم المرء من نومه ليجد نفسه وزيرا. وقد عين أحدهم نفسه على التربية عبر صفحته في الفايس بوك وشرع يتقبل التهاني وربما أنفق المسكين مبالغ على تبديل خزانة ملابسه (فربطة العنق أهم من الكفاءة في حكومات تونس) حتى أننا نرجو له التوفيق كي لا يتورط في الشيكات مع محلات الملابس.
ليكون يوسف رئيسا في 2019 يجب أن يرضى المستنقعات الثلاث المذكورة أعلاه ولذلك يتحول إلى عود خيزران. يقول نعم لحزب النداء ولا يقول لا للنقابة ويقول الله يبارك سيدي الشيخ عندما يذهب إلى مقر النهضة ثم يجد نفسه قد قبل بمتناقضات جبارة فيعيد الحسابات. لو أغضبت طرفا سيصوت ضدي في المستقبل. ويستأنف الجولة. 
يقول له ابن الرئيس(حزب النداء) احتاج وزير داخلية يغطي على اللعب في الانتخابات القادمة ولا بأس أن لا يضرب النهضة بقوة وتقول النهضة نريد وزيرا لا يساهم في تزوير الانتخابات ضدنا ولا يكون من جماعة بن علي الذي اضطهدنا. فإذا جاء بوزير من خارجها رفضته النقابات الحاكمة بأمرها في الداخلية. ويبحث يوسف فلا يجد وزيرا فميراث بن علي في الداخلية ثقيل لأجيال حتى أن المغادرين بالتقاعد يتركون خلفهم تابعين يأتمرون بأوامرهم.
يقول له الاتحاد نريد وزيرا للتربية لا يحب السلفيين (والمقصود الخوانجية) ولا يكره العربية لكنه يمكن للفرنسية التي جاءت بجائزة نوبل للنقابة. ويقول له الشيخ نريد وزيرا يعرب المدرسة من جديد ويفسح للتربية الدينية مجالا ويحتار يوسف فالتربية حكومة وحدها ولها نقابات وعلى النقابة جنرال منتصر في معركة إسقاط الوزراء. ويوسف يحسب لهم حسابا. لو اسقطوا له وزيرا آخر قد يخسر مستقبله الرئاسي. ويستأنف الجولة وتتأخر الحكومة ونسأله يا يوسف أين الحكومة؟ فلا يجيب وإنما يملأ السوشيال ميديا بأخبار كاذبة حتى حين.
هل صرنا شعبا غير قابل للحكم ؟
هذا الانطباع يتسع عند فئات واسعة ضاقت صدورها بما يجري ولا تفلح في فرض هيبة الدولة من جديد فلفظ هيبة الدولة نفسه عبث به حزب النداء الذي اتخذه شعارا انتخابيا فلما وصل إلى الحكم (هزقه) على طريقة عادل إمام في الولد سيد الشغال. فهيبة الدولة أن يكون وزراء الحزب كل الحكومة ولا يهم أن يرتكبوا بعد ذلك أبشع الحماقات في التسيير. إنها غنيمة فكيف يمكن الحديث مرة أخرى عن هيبة الدولة؟
يوسف أصغر من هيبة دولة بل هو علامة تقهقرها فقد ركب إليها مركب السفارات أولا وقبل أن يثبت حكمته (البسماركية المشتهاة) أسرج خيله ليكون رئيسا هو يوسف ولا هيبة غير أنه يمكن(يحق له) أن يكون رئيسا وهذه الحكومة هي تمرين جيد على إرضاء الجميع ورفع الضرائب في الموازنة القادمة فالحمار القصير هو الذي يدفع الضرائب. ونحن لها فقد ركب ظهورنا يوسف ومن وزره ونحن نختصم في دم البرغوث.
أيها البراغيث هل يحق لنا الاعتراض على الحكومة؟ لا يدخل هذا في باب نقض عرى الدولة ونحن ولدنا لنكون في دولة فالدولة ضامنة الرواتب ومصروف البحر وثمن القهوة في مقاهي البحيرة وحي النصر. نحن موظفون ويقولون عنا الإدارة العميقة نحن في الحقيقة عمق الدولة. فليكن للعمق حق القبول فقد يتمتع لاحقا بحق الاعتراض وحتى تلك اللحظة سنسأل يوسف عن الحكومة ويوسف يتلوّى كعود الخيزران.
كانت الخيزران ملكة منعمة ونحن تلك الخيزران المائعة وكانت الخيزرانة عصا والعصا الآن عند يوسف يعطيها لضباط بن علي الكامنين للدولة في المفاصل كالروماتزم. وعندما يستعيدون وزارتهم سيعلن يوسف الحكومة. لقد فاتنا أن نكسر الخيزران ذات شتاء عاصف فليكن يوسف خيزرانتنا بكل المعاني. حكوماتنا تشبهنا تماما ولا تثريب على يوسف.

نورالدين العلوي
Read More

الأحد، 24 أبريل 2016

خاطبوا اسيادهم...فلا رأي لهم إلا ما يملى عليهم ..

أبريل 24, 2016 0

الفرنكفونية ليست مجرد تبن للغة فرنسا بل هي رؤية كاملة للعالم خلفيتها الثورة الفرنسية وتنظيراتها في المسالة الدينية ... نمط تحديث مخصوص ..سيطر لفترة طويلة على عالم الفكر الغربي عامة لكنه تعرض للمراجعة والنقد في غير فرنسا وانتجت المراجعات افكارا متسامحة مع التدين ومع اشكال التعبد المختلفة ووسعت مجالات الحرية الفكرية والعقدية. (خاصة في مجال التدين اللوثري ) .بينما بقي الفرنسيون سجناء قوالب ثورتهم يخشون تعديلها لان في كل تعديل خسران واعادة بناء على المختلف …
.
الفرنكفونية سطرت مسار التحديث في المستعمرات الفرنسية وخاصة في شمال افريقيا ...ولم تسمح بأية عمليات انعتاق من هذه البوتقة بل ضيقت على كل مراجعة محتملة ..واستعملت فرنسا قوتها الاقتصادية لفرض ثقافتها على مستعمراتها (الفرنسي وسيلة اخضاع لا وسيلة تواصل )
...لقد اعتقد البعض ان الفرنسية غنيمة حرب يجب الفوز بها وهذا خطا كبير ... يتواصل بجهل كامل بمقدرات اللغة الفرنسية نفسها المتراجعة على مستوى الانتاج العلمي والأدبي ..فضلا عن الاستعمالات العملية في التواصل بين الشعوب الذي استولت عليه الانجليزية ..
.
في تونس توجد نخبة متفرنسة اكثر من الفرنسيين وهي تمتلك وحدها قناة الاتصال بالفرنسية وتعادي حركة الترجمة من الفرنسية الى العربية ليظل الاصل التجاري بين يديها ..تتحكم به في الجامعة والتعليم والثقافة .. (في مناظرات الدخول الى الجامعة لا تعتبر اعمال الترجمة اعمالا علمية تعتمد لتقييم كفاءة المترشح لمركز عمل جامعي ) واغلب اللجان لا تقيم ابحاثا باللغة الانجليزية رغم انها نادرة نتيجة نفس المسار التعليمي المفرنس .
.
تجدد المعركة حول تعليم القران للناشئة يأتي في سياق الرؤية الفرنكفونية للتدين وللدين عامة ... كل احتمال عودة للدين ( ولو بمعرفة النص المؤسس دون الايمان به ) يهدد بناء الفكر على قاعدة لا دينية ...بما يعني فتح النقاش على المدى الطويل في نموذج التحديث المعادي للدين (النموذج الفرنكفوني )
.
...وفي هذا النقاش اذا فتح سيكون تجديد ومراجعة للتشريعات الاجتماعية وغيرها ... اي بناء رؤية اخرى للعالم للدين والإيمان فيها مكانة تتسع باستمرار ... اي تبتعد عن اللادينية باستمرار ... بما يهدد الاصل التجاري للمالكين لمفاتيح العلم الفرنكفوني ... (الفرنسي اللاديني )
هذا التعليم (وان لم يبدأ وقد لا يبدأ ابدا )هو بمثابة اعلان نهاية للفركفونية وأصحابها ومالكيها في تونس ...وحقيقة القول برفض تعليم القران هو دفع سكتاري مهني بغطاء ثقافي …
لذلك يستحسن التوجه للمصدر لا للتوابع …اي الحديث مع العروفات لا مع الخماسة ! 
.
والحديث يكون اقتصاديا لا ثقافيا .. كلما دخل راس مال استثماري غير فرنسي في تونس فقدت فرنسا قوتها …و تخلت عن اتباعها … لتخلص لمؤسساتها الاقتصادية وتفاوض مع الدول بالانجليزية …
اي انه عندما تمس مصالحها الحيوية (المستثمر الفرنسي يصبح اتباعها الثقافيين بلا قيمة ..فيسقطون من حسابها …
انظروا اليها ماذا تفعل في البلدان الافريقية التي بدأت تنفتح على الصين وتركيا و كوريا و تتجه الى الاعتماد على ذواتها ….التي كانت محطات سياحية جنسية للفرنسيين …انها مرعوبة ..فاوضوا مع العرف ودعكم من التابع …
--
بقلم الاستاذ: نور الدين العلوي
Read More

الأحد، 10 أبريل 2016

قبل أن تصبح النهضة ضحية للنظام

أبريل 10, 2016 0

درس أساسي لدى الجماعات الإسلامية يقدم لأطفالهم منذ الخطوات الأولى طبقا للآية "وأعدوا" وهو أن المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف. وتختلف الفصائل في نوع القوة ومقدارها. القوة بالسلاح (داعش) والقوة بالدعوة إلى حسن الخلق (عند الدعويين). هذا المدخل سهّل لأعداء الحركات الإسلامية الحديثة وصمها بالعنف والإرهاب ووضعها دوما في موضع الدفاع عن نفسها ضد هذه الوصمة وكلما حاولت الاقتراب من صيغة الأحزاب المدنية الحديثة وجدت من يذكرها بهذا المذهب/ المنطلق. وفي الوقت الذي بدأ البعض يصدق هذه التوجهات المدنية رفعت في وجهها تهمة النفاق المرحلي من أجل التمكين أو نعتت بممارسة التقية لإخفاء وجه الإرهاب عن الشعوب التي ولدت مدنية.
وأعتقد أن حزب النهضة (تونس) الذي صار جزءا من المشهد السياسي يمر من هذه المرحلة الحرجة محاولا إثبات مدنيته وسلمية وسائله وديمقراطيتها. لكني أراه بفعل ذلك بمسكنة تكشف تربية مسكينة. ولذلك سأحاول مقاربة فهم هذه الرغبة الذليلة في الاندماج. وسأنظر إلى انعكاسات هذه المساعي العسيرة في الاندماج على نفسية المسلم النهضوي وربما يمكن لنا التعميم على المسلم الإخواني (الإخوان وتفريعاتهم القُطرية). وكيف انتهت الشخصية الأساسية المرتجفة بتفضيل التربية الدعوية الصوفية إلى حد التماهي مع نوع من مسيحية زاهدة لكن من دون إخلاص حقيقي.
التربية المسيحية
عندما خرج الإسلاميون من السجون وعادوا من المهاجر في لحظة الثورة تحدثوا عن التمكين واستعادوا قصة النبي يوسف. وكيف مكن له في الأرض بعد عنت. لكنهم غفلوا عن أن انتصارهم جاء في سياق ثورة شعبية مندفعة، من دون قيادة وتحتاج من يحملها خطوات أخرى إلى الأمام. لكن الرغبة في الاندماج في النخبة السياسية جعلهم يضحون بالموجة الشعبية لصالح مكانة ضمن النخب، فكانت لهم مكانة العبد في مجلس سادة (أكثر من 70 عضوا في هيئة بن عاشور لحركة التجديد/ الحزب الشيوعي، مقابل 5 أعضاء للنهضة). رغم ذلك ورغم العبث تلك الهيئة بالقانون الانتخابي فإن الاندفاع الشعبي الثائر صوت لهم في 2011، لكنهم صبوا عليه ماء باردا من الحكمة والتعقل والصبر ففتحوا في الموجة الثورية ثغرة دفرسوار تسرب منها شارونات النظام. 
في تقديري أن هذه الخيارات الثورية لا تدور في خلد النهضويين (الإسلاميين عامة) لأنهم رغم درس التربية على القوة، لم يبنوا الفرد القوي الذي يغير . لقد بنوا فقط الفرد القوي الذي يصبر على الظلم ويحلم ربما بتغييره ولكن يعجز عن تحويل أحلامه بالقوة إلى قوة فعلية. وربما خلق ظلما وسلطه على نفسه ليتمتع بالصبر على الأذى. هذا النموذج التربوي أنقذهم من جنون السجون الانفرادية وحافظ على تماسكهم التنظيمي، لكن ذلك لا يمنعنا من القول إنه تصبُّر مسيحي في جوهره، منه انبثق في التاريخ الإسلامي الكثير من التربية الصوفية التي تنكمش خوفا أو رهبة وتبني معازلها. وهو ينتج الآن خوفا مرضيا من تحمل أعباء القيادة . إذ يبدو أن صورة العالم في ذهن الفرد الإسلامي هي أن يكون مظلوما. موقع المظلوم مريح نفسيا (الجزاء في الابتلاء والجزاء الأخروي مقدم على متعة الحياة الدنيا). 
إن القوة عندهم مرادف للصبر على الأذى، وليست قوة السعي إلى التغيير، إنهم مؤمنون في الأخدود. وربما استزادوا من الحطب ليكون الشِّواء تاما. إنهم مسيحيو الروح (رغم سعيهم إلى الدنيا) هذه التربية انتهت بهم في أحضان النظام القديم. فأعادوا لقيصر ما كان له.
الاعتذار بتاريخ القمع
إذا نظرنا في سياساتهم ما بعد الثورة سنجد أنهم برروا عبث خصومهم بالدولة، وهي بين أيديهم، بدعوى اجتناب الحرب الأهلية. لقد رماهم الناس بالحجر في الشوارع فردوا بالصبر على المكاره واعتبروا ذلك أسلوب حكم الدولة. عقلهم المسيحي زين لهم أنهم مسؤولون عن نعاج الرب ويجب أن يعودوا بها إلى الزريبة فلا يأكلها الذئب. ورغم أن نعاج الرب هي التي أطردت الذئب وفوضتهم إلا أنهم لم يطرحوا السؤال عمّا إذا كان الذئب موجودا فعلا أم هو ضبع جائع يمكن إخضاعه بالقليل أو ضربه على رأسه .
النهضوي اصطنع عقلا تبريريا مفضلا مهادنة النظام والدخول فيه كحل لفشل تجربته في الحكم منذ الثورة. لقد حول تاريخ القمع إلى حجة عجز مقدما الإيثار الأخلاقي والصفح على إرساء العدالة والقانون. لقد واجه نذالة النظام بالصبر على المكاره، أو ما اعتقده (أخلاق الفرسان ) فجعل الدولة تخسر قدرتها على الفعل وكشف عجزه عن التحول من متصوف بكاء إلى سياسي فعَّال. لقد خسر سندا شعبيا كبيرا منح للحزب بعد انتخابات 2011 فلم يقدره الحزب حق قدره ولم يحوله إلى رصيد سياسي.
لقد برروا بتدرج عملية التماهي في النظام الذي حطم بنيانهم لأنهم لم يبنوا تصورا للعالم (للوطن) يكونون قيادته وذلك بحكم التربية القديمة التي يمكن أن تنتج معارضا ولم يمكنها إن تنتج قيادة. وها هم يتحولون مع الزمن إلى محبّة معذبيهم ويقبلون على أنفسهم ما قاله عنه أعداؤهم. لذلك سيجدون أنفسهم دوما في وضع الدفاع عن تهم لا يفسرون منشأها لكنهم يجمعون الحجج عن براءتهم منها. لقد صار الأمر آلية تفكير وموقعا في صورة فكلما رماهم أحد بشيء قفزوا فرحين إلى موقع الدفاع وربما بكى بعضهم من الظلم الذي لا يستطيع رده. وربما وجد لذة في البكاء (وربما لديهم الآن حجج براءة عن أخطاء لم يرتكبوها بعد).
إنهم من فرط تقمص موقع المغلوب يفرحون لكل كلمة خير تقال فيهم حتى من أشخاص لا اعتبار لهم وليسوا من أهل الرأي والمشورة. إنهم يحولون الضحكة المنافقة في وجوهم إلى فتح مبين. ويفتون بحسن الظن. حتى أنهم جعلوا من بعض أدعياء الصحافة نجوما مقابل استقبالهم لهم في بلاتوه تلفزي مهين.
إحدى اكثر النتائج النفسية لهذه التربية أهمية هي أن النهضوي بني مسلكا للتفكير يعمل كما يلي: يبالغ في توهم قوة خصومه. يسعى بحثا عن حيل لاجتناب الأذى (من أبرز الحيل المستعملة التودد لهم والسعي في مرضاتهم والتنازل عن حقوقه كمواطن من أجلهم) إلى حد التصاغر واحتقار الذات. وهو لفرط ما يفعل ذلك يتضخم الخصوم في ذهنه حتى يصغر في عين نفسه ويقزمها. فيصغر في أعينهم فيزيدون في اضطهاده. النهضوي تربية الخوف من التغيير يضع نفسه في موضع مستحق الصدقة السياسية .
فإذا أقنعت النهضوي أنه فوَّت فرصة تعاطف شعبي مع الثورة بقيادة النهضة يعرج بك إلى حجة الضغوطات الخارجية الرافضة لحكم الإسلاميين في المنطقة العربية ويعرض الكثير من كواليس الضغوطات التي لم تظهر للعلن ويتخذها حجة للانحناء إلى عاصفة الرفض القوية خاصة (كأن الأساطيل رابضة في خليج تونس) وأنها تجد لها أنصارا في الداخل يريدون تلقف نتائجها والعودة إلى الاستئصال. والسؤال الذي لا يطرحه النهضوي هو: هل هناك موجة من التغيير (ثورة أو انتفاضة) عبر التاريخ، وهم الذين قرؤوا السيرة النبوية، لم تتعرض للضغوط المعادية والتخريب؟ ألا يفترض فيمن يتصدى للحكم أن يأخذ هذا بعين الاعتبار. وأن يعرض من سبل المواجهة ما يحوله فعلا إلى حزب قائد لا إلى حزب هارب.
أمام ضغوط بعضها حقيقي وأكثرها موهوم (تبريري) يهرب النهضوي من النظر إلى المشهد ما بعد 17 من ديسمبر/كانون الأول على أنه ثورة آخذة في الاتساع. ويمكن دفعها إلى مداها التغييري العميق بقوة الشارع وشعاراته المتحدية للضغوط الخارجية. أي تحويل الثورة ضد النظام المحلي إلى ثورة تحرير شاملة. تجر معها المخذلين وتقطع الطريق على الخيانات الداخلية(وهي حقيقية). النهضوي يرى هذا من المزايدة وأحلام الواقفين على ربوة شعب كسول وغير مؤمن بالتغيير.
هل من تفسير ؟
هل يكفي التفسير بآثار المعاناة ومخلفاتها؟ والقول بأن السجون دمرت عزيمتهم(المظلومية)؟ إن القوة التي استعاد بها التنظيم تماسكه بعد الثورة وفي وقت قياسي تدل على أن النفوس لم تخرّب بل ربما استقوت بالصبر. لكن التنظيم القادر على تحريك نصف المليون من البشر في مظاهرة تحول إلى مسخرة تلفزية. 
أميل إلى تفسير الأمر بنمط التربية الذي اتخذته حركات الإسلام السياسي السلمية. مقتدية بقراءتها للسيرة النبوية. قبل الجهر بالدعوة وقبل الهجرة (هذه القراءة كانت سببا في انفصال أول الحركات الإسلامية العنيفة: جماعة التكفير والهجرة). وقد تحول فشل الحركات العنيفة (وآخرها داعش) إلى سبب إضافي ليهادن المعتدلون النظام القائم. ويتذاكون في تفاوض مذل مع قوى دولية.
والسؤال الذي يترتب على هذا التفسير: إذا كان المتطرفون مرفوضين كأسلوب عمل، وإذا كان المعتدلون يفضلون مهادنة الأنظمة وتفريغ الثورات من مضمونها فأين ستتجه أفكار الإسلاميين وسلوكهم السياسي؟
لقد تبين أن الإسلاميين أخوة صبر (ونبلوكم ) لكنهم ليسوا قوة اقتراح ولذلك فإن هناك خطوات ستفرض نفسها على من يريد مواصلة الطريق:
لقد تم كسر حلقة من حلقات التربية القائمة على أساس الانفصال عن الجماعة الاجتماعية لا وجود لفرقة ناجية أبدا وهناك حلقات أخرى .
أولها الخروج من وضع الأخ الطيب المنكمش إلى وضع المواطن ذي الحقوق وإعادة قراءة السيرة بعد الفتح (الخروج من دار الأرقم لمن يريد أن يؤصل فعله تأصيلا). إن الحزب المدني يربي بطريقة مدنية (المدنية لا تتناقض مع الأخلاق الدينية).
ثانيا فتح معارك التنمية بصوت جهوري وإعادة مطالب الشارع فوق طاولة الحكم. وإذا أراد الحزب أن يحكم فعليه أن يدخل المعارك الحقيقية لشعب هو جزء منه. سيجد نفسه في سياق تغيير النظام وليس مهادنته وليس بالضرورة أن يكون التغيير عنيفا.
إن التفكير العملي(البراغماتي ) يغير الأحزاب، ومنها الحركات الإسلامية أيضا، فيخرجها من موقع الفرقة الناجية (أو الأخوية الصوفية) إلى الحزب الجماهيري(التفكير العملي ضد التفكير الأصولي). وهذه هي الطريقة الوحيدة للخروج من أخدود العذاب ومن الإحساس بالهوان أمام ابتلاء القيادة.
النظام القديم يعيد حتى الآن طرح سلعته القديمة للتداول ومجادلته فيها أو السكوت عليه فيها يعيده على سرج المجتمع والدولة. لكن فتح معارك التنمية تسقط النظام فعلا ومن دون عنف، إذ تجره إلى قبولها، وبالتالي التغيير، أو معاداتها فتهمشه.
إذا لم تتجرأ الحركات الإسلامية (النهضة مثالا) على الحكم وتفرض خيارات الشارع التنموية فإنها لن تكون مطية لعودة النظام بأبشع صوره فقط، بل ستكون ضحيته المفضلة. وساعتها سيمتعها بالصبر على نار الأخدود.
د. نور الدين العلوي - أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية
Read More