Hot

‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2013. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2013. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 22 سبتمبر 2013

نعوم تشومسكى: قادة انقلاب مصر وصلوا لمرحلة تصفية بعضهم البعض.. والواقع يتجه نحو مزيد من التصعيد

سبتمبر 22, 2013 0


قادة الانقلاب وصلو إلى مرحلة مخيفة وخطيرة فهاجس المحاكمة يراودهم ليلا ونهارا ولكن وصولهم الى مرحلة تصفية بعضهم البعض هذا يوحى بأن الخلافات بينهم باتت واضحة وأصبحت مكشوفة ...
مقتل اللواء الذي كان يقود عملية اقتحام منطقة كرداسة وما قيل عن اشتراطه عدم قتل من لا يحمل سلاح برصاص حي مهما فعل.. ويبدو أن مخطط تصفيته جاء بقرارات منفردة والخروج للرأى العام بلقطات تتناقض كلها مع بعضها البعض وكل لقطة فضحت الأخرى والادهى من ذلك اتصال أحد أطباء الطب الشرعي وأحد من شارك في كتابة التقرير المبدئى عن الوفاه على قناة فضائية يؤكد أن احتراق الملابس من أسفل الزراع يعنى ان الرصاصة أطلقت من مسافة نصف متر والابط هو المكان الذي لا يغطيه الساتر وهذا يعنى أن الرصاصة جاءت لتكون قاتله .. ثم فجأة تتغير وتتبدل أقواله ويؤكد ان الرصاصة أطلقت من بعد 15 متر وهذا يوضح حجم التهديد الذي تعرض له الطب الشرعي ومن المعلوم أن الطب الشرعي جهاز حساس يتبع وزارة العدل بشكل إدارى إلا أن سيطرة المخابرات وأمن الدولة عليه واضحة على مدار تاريخ من التقارير المخالفة للواقع الطبي لكثير من الحالات ..
يبدو أن الايام القادمة ستشهد تحولات خطيرة ومثيرة لان الواقع يتجه نحو مزيد من التصعيد لان الزحف الى العاصمة المصرية سيصبح متاح لان تأجيل الدراسة لن يستمر كثيرا والجامعات ستكون بؤر للتجمعات سيرتبك الامن في التعامل معها لا سيما ان ارتكاب مزيد من القتلى وخصوصا في الجامعات لن يمر مرور مجازر الميادين وسيقابل بتنديد دولى وسيفاقم المشاكل الاقتصادية لان الاستثمارات متوقفة عن مصر بشكل كامل خشية تدهور الوضع والسياحة لا تاتى اليوم حتى بما يكفي برواتب العاملين فيها وحتى رواتب الموظفين في كل مؤسسات الدولة تعانى استقطاعات لا تتماشى مع موجة غلاء توحى بثورة جياع ستنضم لاحقا بثورة انصار مرسى ...
مشكلة انقطاع الكهرباء بشكل مستمــــر ليس لها معنى سوى تقصير من دول النفط التى تستطع حلها في ساعات رغم أنها ذات المشكلة التى تسببت في موجة غضب شعبي ضد مرســى ويذكر أن إحدى دول الخليج اشترطت على نظام مرسي دفع ثمن شحنة الوقود وهى في البحر وتوقفت الحاملة في عرض البحر في انتظار تحويل المبلغ المستحق حينها وليس لفشل الانقلاب معنى أخر في نظر الخليجيين الذين بدأوا ينفقون بحذر على الانقلابيين خشية عودة مرسي الذي قد يعود اقوى مما كان ولن تجرؤ قوة على الارض حينها في عزله وسيتوقف العبث بأمن مصر القومى الذي تم العبث به طيلة فترة حكم مرسي بعلم من العسكر وبترخيص من المخابرات ..
العالم اجمع يجمع على صعوبة التنبؤ بما قد يحدث في مصر لان موجة الثورة ككرة الثلج تتدحرج وتكبر وفي النهاية لابد أن تصطدم ولكن بمن سوف تصطدم.. والاكيد أن التظاهرات ابدا لن تتوقف ومحاولات العسكر فتح قنوات حوار مع الاخوان عبر الصحفى المخضرم هيكل دليل واضح أن قادة الانقلاب أدركوا أنهم فى مأزق لا بديل للخروج منه غير حلول سياسية وتغييرات في خارطة الطريق يرضى الحشود التى تخرج كل يوم قبل الاخوان أنفسهم

Read More

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

" اللي فاتو قطار الثورة يوم 14 جانفي صعيب ياسر يخلط عليه "

سبتمبر 06, 2013 0

المحامي شريف الجبالي لسفيان بن فرحات




لقد طفح الكيل و جاء الوقت لنقول لك كفى ثورجية زائفة و كفى تمثيلا و مزايدات ، يوم 14 جانفي 2011 كان يمكن ان يكتب اسمك من ذهب في تاريخ الثورة التونسية لكنك كنت نوفمبريا بامتياز ، كان يمكنك ان تمسح كل ذلك لو لم تكن جبانا ، أو ربما كان لديك أمل و لو ضعيف في عودة بوك الحنين .
هل تذكر و ان كنت تتناسى اذكرك انك تلقيت يوم 14 جانفي 2011 مكالمة هاتفية بالضبط من الساعة الخامسة و 31 دقيقة بعد الظهر الى حدود الساعة الخامسة و 34 دقيقة من المحافظ الأول رياض مبروكي رئيس مصلحة اللاسلكي و المراقبة الآلية بالإدارة العامة لأمن رئيس الدولة ليعلمك ليعلمك بفرار المخلوع و يطلب منك حقنا لدماء التونسيين و تهدئتهم بث الخبر من وكالة تونس افريقيا للأنباء باعتبارك كنت تعمل بها الى جانب أنك كنت رئيسا لتحرير جريدة لابراس .
يا من تنعق كل يوم صباحا و مساءا لتعطينا دروسا في الوطنية ، هل تتذكر أين خبأت وطنيتك يومها ؟ هل قمت بدورك يومها كصحفي نزيه وطني جاءته المعلومة دون ان يسعى إليها ؟ اين غاب الحس الإستقصائي و حب السبق الصحفي فيك يومها ، أم انت لست فالحا الا في تصديع رؤوسنا يوميا بسموم و أخبار زائفة تدعي انها تأتيك من مصادر موثوقة ؟
هل تتذكر بماذا تعللت حين تم سماعك بتاريخ 27/04/2011 من قبل باحث البداية بخصوص هذه الواقعة بعد ان تم ضبط مكالمة مسجلة بينك و بين مسؤول الأمن الرئاسي المذكور ؟
اذكرك لأنك أكيد لا تريد أن تتذكر ذلك اليوم الذي هوى فيه نظام السابع الذي كنت تهوى ، لقد جئت بعذر اقبح من ذنب ، إذ صرحت حرفيا بعد اعترافك بالواقعة " كنت شبه متأكد من صحة تلك المعلومة و لكنني لم أقم بنشرها ، و قد خيرت التريث لكونها غير دقيقة و كنت مقتنعا ان المسؤولين الميدانيين و السياسيين بالقصر الرئاسي بقرطاج كانوا يملكون تصورا اعلاميا لبث الخبر في التوقيت المحدد " .
يبدو يا سي سفيان انه رغم مرور سنتين و تسعة أشهر من فرار المخلوع فإنك لا زلت تتريث و تتحين الوقت المناسب لبث الخبر و تفرح الشعب التونسي .
لقد طردت من قناة نسمة ، ثم من قناة شمس آف آم و أخال أن الشعب التونسي و المتفرج خصوصا قد ارتاح من طلعاتك و مزايداتك على الثورة و رجالها ، و عملك الدؤوب على بث الفتنة و البلبلة في خضم ما يسمى بالثورة المضادة ، لذلك رجاءا كفى ثورية و هز فرشك و روح لدارك و صغارك ، فقد انتهى دورك و تخلى عنك حلفاءك بعد أن استنفذت و حرقت جميع أوراقك .

Read More

الاثنين، 12 أغسطس 2013

المرحلة الحاسمة من تاريخنا الحديث 02 من 02

أغسطس 12, 2013 0
 أغسطس، 2013، الساعة 04:56 مساءً
المرحلة الحاسمة من تاريخنا الحديث
أبو يعرب المرزوقي
منزل بورقيبة في 2013.08.11
اا من اا


كيف وصلت بعض النخب إلى غاية الهزيمة الروحية

فالمعلوم أن أثر الاستعمار ما كان ليصل إلى هذه المرحلة التي أثرت في المقوم الروحي للأمة بتوسط بعض النخب المهزومة لو لم يكن قد أنجز بفاعلية المراحل المتقدمة عليها على مر القرون. فهذه المراحل بدأت وتواصلت مع الصدام بين القوتين العربية الإسلامية والجرمانية المسيحية خلال
1-حرب الفتح 2-وحرب الصليب 3-وحرب الاسترداد 4-وحرب الاستعمار 5-وحرب الاستقلال.

وهي قد مثلت المعارك التاريخية الحضارية التي نتج عما دار فيها من علاقات جدلية سلمية وحربية ما يسمى بالعصور الحديثة. وقد خرجت منها القوة العربية الإسلامية مهزومة أمام القوة الجرمانية المسيحية:

لأسباب ذاتية هي أساسا ما أصاب وظائف العمران الخمسة أي الحكم والتربية من حيث الصورة والاقتصاد والثقافة من حيث المادة ورعاية المناعة الروحية للأمة من حيث الالتحام بين الصورة والمادة.

ولأسباب أجنبية هي أساسا قضاء البربريات المغولية على مراكز الحضارة مع ما نتج عن الحروب مع الحضارة الجرمانية المسيحية بمراحلها الخمس والفتن الناتجة عن بقايا الحضارات والعقائد المتقدمة على انتشار الإسلام في داره.

خسران المعركة الأولى: المستوى الثاني ودلالته

فالعدو تغلب على القوة المادية المباشرة فكسر مقاومة الأمة العسكرية بصورة شبه نهائية وذلك بعد حروب سجال دامت من فجر العصر الوسيط إلى فجر العصر الحديث. فكانت حروب الغزو الاستعماري لقلب العالم الإسلامي أعني الوطن العربي بعد هوامشه الإسلامية ذروة الهزيمة. لكن هذه الهزيمة لم تكن إلا التجلي السطحي لهزيمة أعمق لم تكن هي إلا علامتها:
فنصر العدو هذا كان صادرا عن نقلة نوعية في دور العلوم والتقنية أصلا للقوتين الاقتصادية والعسكرية للغرب.

وإذن فهزيمة الأمة في المعركة العسكرية علتها تخلفها العلمي والتقني أي إن العلة هي فشل نظامها التعليمي بالأساس فضلا عن عدم الفهم السوي لآية الاستعداد التي تقدم مفهوم القوة عامة على مفهوم القوة العسكرية التي ترمز إليها برباط الخيل. ظلت القيادات تتصور المعركة العسكرية ما تزال صراع قدرات عضلية وليست صراع قدرات معرفية:
خسران الحرب لم يكن إلا علامة على خسران معركة أعمق هي ما يرمز إلى النصر فيها الثورة العلمية والتقنية والهزيمة فيها هي تخلف المسلمين في هذين المجالين.

ولعل الأمة قد تداركت ذلك على الأقل في أوليات التكوين قطريا لأن تحقيق الأساسيات في المعرفة المؤثرة وخاصة ما يظن من الكماليات في العلوم الأساسية غير ممكن من دون شرط الشروط أعني الحجم المادي الممكن من ذلك.

وهو أمر تحول دونه الخارطة التي وضعها الاستعمار حتى تكون حائلا دون كل تعاون بين العرب أو تقارب يساعد على توفير إمكانات البحث العلمي المؤثر في القوة الاقتصادية والتقنية وثمرتهما الدفاعية على حقوق الأمة ومصالحها. فميزانية أي مشروع علمي حتى لو لم يكن من جنس غزو الفضاء ليس في متناول أي قطر عربي بل إن الدخل القومي الخام أي منها بكامله ليس كافيا حتى لمشروع جدي في البحث الطبي الراقي.

الهزيمة الثانية: المستوى الثاني من الهزيمة ودلالته

والمعلوم أن ذلك النصر ببعديه الظاهر (القوة العسكرية أو ما يرمز إليه رباط الخيل) والباطن (القوة العلمية والتقنية أو ما يرمز إليه القوة عامة) قد مكن الاستعمار من الاستحواذ على القوة المادية غير المباشرة ممثلة في الأرض وما فيها من ثروات وإمكانات. فبات العالم الإسلامي كله مستعمرات غربية تستنفذ ثرواتها ومن ثم يمتنع عليها استئناف المقاومة العسكرية الحاسمة.
لكن إذا كانت الهزيمة الأولى في الأعيان أساسها هزيمة في التخلف الذي أصاب تكوين الأذهان علميا وتقنيا فإن الهزيمة الثانية لم تقتصر على الأعيان بل سعت لتوطيدها بالهزيمة في الأذهان كذلك.ولم يكن ذلك على مستوى التكوين العلمي والتقني الحاصل بعد بل على مستوى التكوين الروحي والخلقي الذي لا يزال متواصلا.

فهذه الهزيمة وهذا الاستعمار المباشر لمعين القوة المادية أعني استعمار الأرض وما فيها من مدد لكل صمود مادي جعل الكثير من سكانها يصبحون خدما مباشرين للمستعمر الذي صار مثالهم الأعلى روحا وخلقا فأصبحوا مستعمرين ذهنيا. ومن ثم فالكثير منهم ومن خلفهم الذين نعاني منهم الآن في تونس وفي مصر وفي كل البلاد العربية استبطنوا عقلية المستعمر في التعامل مع بقية الشعب احتقارا واستعبادا. فكانوا هم البدائل من المستعمر عندما اضطر إلى الجلاء بفضل مقاومة بقية الشعب الذي لم يتعاون مع المستعمر.

المعركة الأخيرة التي سيلغي نصرنا فيها الهزيمتين السابقتين

إن جلاء الاستعمار المباشر لا يمثل إلا نصرا جزئيا لمقاومة الأمة ذات الحصانة الروحية التي كانت رصيدها الأساسي في هذه المعركة التحررية ضد الاستعمار. لكن هذا النصر لم يكن حاسما لأنه في الحقيقة علامة على أمرين متناقضين:

فأما أولهما فهو أن الغزو فشل في المقوم الأخير للانتصار كما يحدده كلاوسفيتس في نظرية الحرب. فهو لم يستطع أن يقضي على روح الأمة. ومن ثم فقد بقي عامل الصمود الأساسي في بقاء الأمم قويا. وهو العلة الأساسية لإمكانية الربيع العربي.

وأما الثاني فهو أن الغازي ترك الجرثومة التي كلفها بمواصلة هذا الغزو للروح. فهو قد عوض عن هذا الفشل بخطة جديدة هي خوض الحرب من الداخل بأبناء البلد أنفسهم ممن أصبحوا مستعمرين ذهنيا. وهذا هو السر في تعثر الربيع العربي.

ومزية هذه الخطة المتمثلة في تعويض الاستعمار المباشر ذي الحضور المادي بالاستعمار غير المباشر ذي الحضور الرمزي مزيتها أنها تنكر ذكي من الغازي. فهي خطة تحيد مقاومة الشعب لحضوره المادي الذي يستفز الشعور الوطني. لكن الحيلة تجعله يواصل الحرب بالنخر من الداخل. فهو قد نوب عنه للقيام بهذه المهمة من يحارب قلعة الصمود التي اضطرته للرحيل بالاندساس في المقاومة الوطنية وتزعم حركة الإصلاح و التحديث.

لم يتمكن الاستعمار من قتل روح المقاومة بل هو فشل في ذلك فشلا ذريعا فلم يستطع أن ينفذ إلى أصل المناعة الروحية والحضارية أعني عقائد الأمة وإيمانها بذاتها وبرسالتها. وهنا يأتي دور الاستعمار غير المباشر بواسطة البعض ممن مسخ خلال فترة الاستعمار المباشر وخلفه. فقد تم تجنيدهم لهذه المهمة. وهم يتخفون وراء الخداع التحديثي الذي جعلوه مشروطا بنزع الحصن الحصين لقيام الأمة بكل عناصره:
اللغة العربية
التاريخ الإسلامي
العقيدة الإسلامية
المشروع المستقل للأمة
الطموح الكوني لدور الأمة في العالم.

معركة الربيع العربي التي أصبحت مفرداتها بينة للعيان في الموجة الثانية من الربيع العربي-كما هو بين في ساحات تونس وبصورة أجلى في ميادين مصر - ليست شيئا آخر غير هذه العناصر الخمسة التي قلبها العنصر الثالث أعني العقيدة الإسلامية التي تجعل المسلم لا يمكن أن يقبل بالعبودية لغير الله فيفضل الموت على الخضوع لغير إرادته التي يعتبرها متمثلة في الاستسلام لإرادة الله أي الكفر بالطاغوت:
وقد سمى ابن خلدون ذلك بالرئاسة الإنسانية وحب التأله الذي ينتج عنه حتما عقيدة الجهاد بما هي فرض عين على كل المسلمين ذكورا وإناثا.

إن ما يجري الآن في ميادين مصر وساحات تونس هو الدليل القاطع على أن شعارات الموجة الأولى من الربيع العربي التي كانت تتعلق بالغايات المباشرة أعني الخبر و الحرية والكرامة لم تتبين حقيقتها العميقة إلا في هذه الموجة الثانية إذ أصبحت شعارات تتعلق بشروط تحقيق تلك المطالب المباشرة أعني شروط الاستقلال الفعلي التي لخصها رمز هذه الموجة قصدت الرئيس مرسي في إنتاج الغذاء والدواء والسلاح وشرط ذلك كله التقدم العلمي والتقني واستعادة وحدة الأمة أعني التحرر من تلك الهزائم التي وصفنا.

لذلك فما يجري حاليا هو بداية جديدة لتاريخ الأمة ذات الرسالة الكونية. وهي مرحلة يمكن أن تكون استئنافا لهذا الصراع بين ضفتي المتوسط و راعي الضفة الشمالية منه (أمريكا) و جرثومتهما فيه (إسرائيل) أو وعيا بضرورة تجاوزه إذا لم يجد الأوروبيون بدا من الصلح مع الوطن العربي والتحرر من السيطرة الأميركية والإسرائلية على علاقتهم بنا. وذلك ما ينبغي أن يجعله الربيع العربي ضرورة بمجرد أن يعيد لحمة الوطن بتجاوز الخارطة الاستعمارية التي يراد للثورة أن تبقي عليها والتي يمثل الإبقاء عليها الفشل المحتوم للربيع العربي. فإذا تمت إعادة اللحمة العربية الإسلامية فإن التزاحم بين ضفتي المتوسط سينتقل ليصبح بين الضفتين متعاونتين وبين من يسعى من الأقطاب إلى استتباعهما معا.

فالتداخل السلالي والثقافي بين أهل الضفتين والتمازج بين الحضارتين خلال كل القرون السابقة إذا أدرك قادة الضفتين أنهما لم تبقيا قطبي العالم فسيسعون للتصدي المشترك لما يتهددهم معا لئلا تزداد الضفتان خضوعا لأقطاب العالم من حولهما. فهما تتعرضان دون شك إلى مصير مقبل واحد. وإذن فينبغي أن يؤدي الوعي بهذه الوضعية التاريخية لقلب العالم إلى تصالح بل وإلى تحالف بينهما. وقد يكون في الرمز التركي دلالة كبيرة. فآخرة عواصم الخلافة الإسلامية صارت جزءا من الحلف الغربي حتى وإن بقي دورها ثانويا. لكنها ستصبح جزءا لا يتجزأ من أوروبا المتحدة ما يعني أن البداية تستأنف من حيث غاية النهاية للصراع بين الحضارتين حيث يكون البلقان والشام جسر الوصل بين الضفتين:
الحضارة العربية الإسلامية
والحضارة الجرمانية المسيحية

صدام حضارتي المتوسط ودلالته

إن التزاحم بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الجرمانية المسيحية بدأ منذ فجر العصر الوسيط وما يزال متواصلا إلى الآن. ومن لم ينظر في دور هذا التزاحم في تحديد معالم العصور الحديثة يغفل أهم محدد لمجريات تاريخنا الراهن خاصة إذا وصله بالتوحيد الأوروبي لاستعادة الدور بعد هزيمة الحرب العالمية الثانية ورديفه العكسي المتمثل في الحيلولة دون وحدة الضفة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط:
تشتيت العرب الذي هو غاية الغايات لعملاء الاستعمار من النخب المستلبة سعيا منهم لإحياء كل النعرات العرقية والطائفية.

والمعلوم أن التماثل بين الحضارتين ليس في إسهامهما الحضاري فحسب بل وكذلك في مقومات الذات الفاعلة أيضا:
فكلتا الحضارتين انبنت على شعب قريب من البداوة العرب والجرمان.
وكلتاهما انبنت على رسالة سماوية كونية والإطلاق الإسلام والمسيحية.

وانبنت العلاقة بينهما على تنازع تاريخي لم يهدأ إلى أن سقط المتصارعان تحت استعمار مستعمراتهما مع تقدم سقوط الحضارة العربية الإسلامية في بدايات العصر الحديث على سقوط الحضارة الجرمانية المسيحية سقوطها في نهايته لأنه تأخر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث فقد أوروبا دورها في صوغ مصير العالم وتسعى لاسترداده بالوحدة. لكنها ما تزال تابعة حتى وإن كانت دوننا تبعية.

ولعل البعض يشكك في هذين التعريفين والدورين للحضارتين المتزاحمتين أعني العربية الإسلامية والجرمانية المسيحية وخاصة في وصف الحضارة الثانية بالجرمانية المسيحية لأن وصف الأولى بالعربية الإسلامية شبه مسلم:
فمن شبه المسلم أن الحضارة الإسلامية بؤرتها النشأة العربية وتاريخها هو أصلها القرآني وما صدر عنه من علوم نقلية وتطبيقاتها وطبيعة علاقة بالعلوم العقلية وتطبيقاتها وذلك هو المقصود بالوصل بين ثمرات الحضارة القديمة (كل ما تقدم على العصر الوسيط) وإرهاصات الحضارة الحديثة (كل ما تلا تجاوز العصر الوسيط). فلا الفرس ولا الهنود ولا الأتراك ولا غيرهم من الشعوب التي أسلمت تجادل في ذلك رغم أن دور العرب انحصر منذ سقوط الخلافة العباسية خاصة.

لكن ما ليس بمسلم لأنه مجهول من الكثير من أدعياء الحداثة هو القول إن الحضارة الغربية هي جرمانية مسيحية. وقد لا يتعلق الشك بالبدايات لأن المسيحية لم تصبح دينا قادرا على مطاولة الإسلام إلا بفضل الشعوب الجرمانية التي غزت مجال روما التاريخي في أوروبا. وهذا يقتضي ضرورة أن نثبت نسبة الحضارة الغربية الحديثة إلى الجرمان والمسيحية. وهو أمر يسير إذا علمنا أن من لتن من الأوروبيين تمام التلتين (مثل الفرنسيين) ومن لتن منهم نصف تلتين (مثل الإنجليز) كلهم يغلب عليهم الأصل الجرماني. وهذه الشعوب الثلاثة تقاسمت تأسيس الحداثة حتى وإن أدت حروبها المتوالية إلى نزع الريادة منهما لتنتقل الريادة إلى مستعمرتيها المادية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والرمزية بالنسبة إلى الاتحاد السوفياتي سابقا.

لن أطيل الكلام في إثبات هذه الدعوى. فجملتان وجيزتان تكفيان. فالولايات المتحدة هي الوريث الغربي لأوروبا الغربية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وكل المؤسسين لها من أصل أوروبي بهذا المعنى حتى وإن كانت البداية من المنبوذين منهم. وأوروبا صارت بعد فقدانها لمستعمراتها بسبب هزيمة الحرب العالمية الثانية محميات أمريكية. والاتحاد السوفياتي هو الوريث الشرقي لأوروبا الغربية لنفس الأسباب. وهو قد قاسم أمريكا هذا الإرث إن لم يكن فعلا فعلى الأقل مزاحمة رمزية بإيديولوجيا الثورة والتحرر التي هي جرمانية. والمعلوم أن هاتين القوتين صارتا قوتين عظميين بفضل ثورتين جرمانيتين مسيحيتين:
الأولى هي ثورة الإصلاح المسيحي وراء الكاثوليكية
والثانية هي ثورة إصلاح هذا الإصلاح وراء الأرتودكسية.

خاتمة

بهذه المحاولة ذات القسمين أنهي متابعة الأحداث بالكتابة اليومية في علاجها لأفرغ لما وراء الأحداث بعد أن تعينت علل الهزائم معتذرا من القراء الذين يشتكون مما يعتبرونه تنظيرا وتعقيدا كان يمكن الاستغناء عنه. لكني أعتقد أن تقديم النتائج من دون المقدمات ليس مما يمكن أن يتضمن الاحترام الذي يجدر أن يقدم للقارئ خاصة إذا كانت الغاية تربوية الهدف منها تكوين شباب ثوري يعمل عقله وفكره روية متقدمة على إعمال يده:
فبخلاف مقولة ماركس بل وبالعكس معها أقول إنه يكفينا تغييرا للعالم بالفوضى فلنحاول فهمه لتغييره بالعلم والتحليل:

فمن دون بناء نظام تربوي وسياسي تصبح صورة العمران أداة استعباد يفقد الإنسان معاني الإنسانية كما قال ابن خلدون أعني الشعور بأنه رئيس بالطبع وأن رئاسته تعني الحرية والكرامة المشروطتين بتوفير أداتهما أعني جعل الإرادة الحرة ذات قدرة فعلية. وهذه هي المهمة الأولى للفكر الفلسفي العملي الذي يعالج ما وراء العلل التي تجعل هذا الانحراف يصبح ممكنا فيتحول الإنسان إلى عابد لشروط العبودية.

ومن دون بناء نظام ثقافي واقتصادي تصبح مادة العمران أداة تبعية تفقد الإنسان دلالة الاستخلاف المشروط باستعمار الإنسان في الأرض كما قال ابن خلدون. وهذه هي المهمة الثانية للفكر الفلسفي النظري الذي يعالج ما وراء العلل التي تجعل الإنسان خاضعا للظرف الطبيعي الموطد لتلك التبعية التي ترمز إليها ظاهرة الدول المتسولة. فتكون المهمة النظرية شرطا في نجاح الإنسان في المهمة العملية.

وهاتان المهمتان مع ما بينهما من علاقة تفاعل هما ما كان ولا يزال مطلوب العمل الذي أقوم به قدر المستطاع وبصبر دام أربعة عقود. تخليت عن السياسة المباشرة لما قدمت استقالتي التي كانت معروضة ثلاثة أشهر قبل المغادرة المعلنة. وتفرغت لمتابعة أحداثها منذئذ في ما أطلقت عليه اسم السياسة غير المباشرة. واليوم أقرر بعد هذين النصين التخلي عن السياسة غير المباشرة أيضا لأعود إلى ما وراء ذلك كله أعني اختصاصي الخالص:
التفكير في الشروط العقلية (فلسفة) والروحية (دين) للمساهمة في تحقيق شروط رسالة الأمة سعيا لتحرير البشرية مما تردت إليه من تلويث للطبيعة وللثقافة من أجل عبادة الدنيا والهوى.

أعود إذن إلى محاورة أرسطو وهيجل وابن خلدون فلسفيا مع نقل ما أعتبره ضروريا لتكون الشباب نقله إلى العربية وإلى ملازمة القرآن والسنة ومقارنة الأديان دينيا حتى أفهم مسار البشرية الروحي والديني الموازي لمسارها العقلي والفلسفي. والله ولي التوفيق.



Read More

الأحد، 11 أغسطس 2013

المرحلة الحاسمة من تاريخنا الحديث - أبو يعرب المرزوقي

أغسطس 11, 2013 0

ما الفهم السليم لحقيقة المجريات في الموجة الثانية من الربيع العربي دون حصر لها في ما نراه منها على السطح رغم صحته وأهميته؟ فكون ما نراه من صراعات مرضية بين النخب العربية وحصولها على النحو الذي وصفنا في محاولة الأمس النحو الذي يجعل المرء يكاد يجزم بتعفن كل جراح الماضي الناتجة عن الفتنة الكبرى بين السني والشيعي والجراح المماثلة لها  والناتجة عن فتنة قد تكون أكبر بين الإسلامي والعلماني.  وهذا الوضع يجعل السؤال الجوهري الذي نختم بعلاجه محاولاتنا التي تابعنا فيها الموجة الثانية من الربيع العربي متمثلا في طلب العلل العميقة لأمراض النخب العربية خاصة والإسلامية عامة: 
أعني الأمراض التي ترد كل فعالياتها إلى الصراع الداخلي بخلاف ما توجبه حماية الوجود الجمعي السوي من صراع المتنافسين على شروط الحياة في المعمورة لحيازتها وللسيادة عليها.

فأول شرط في هذه الحماية هو التخفيف من الصراعات الداخلية المهدمة للذات استعدادا دائما للأعداء الخارجيين حتى إن من مقومات اللحمة الجمعية أحيانا اختلاق العداوات الخارجية لتمتين اللحمة الداخلية. لكن الصراع الداخلي المهدم للحمة الجمعية عندنا ألغي كل انشغال بالصراع الخارجي المساعد في الحفاظ على الكيان الجمعي. وهو ليس بالأمرالعفوي ولا الطبيعي دون أن يكون القصد إنه حصيلة مؤامرة أجنبية. إنما هو حصيلة تراكم الهزائم المتكررة.

فمفعول هذا التراكم يمكن أن يجعل النخب المنهزمة روحيا تنقلب بالتدريج من حامية للكيان إلى دمى في خدمة مشروعات تهدم هذا الكيان دون أن تكون بوعي صاحبتها بالقصد الأول. وعلامة هذا المآل الخطر والخطير هي أن يصبح ما في أذهانها بما تظنه ثورة عما في الأعيان رماية في عماية تضيع الجوهري من أجل العرضي:
 في عملها السياسي المعبر عن الإرادة الجماعية غير التابعة
وفي تكوينها التربوي الذي يمكنها من شروط المقاومة العلمية والعملية
وفي إنتاجها الاقتصادي أي بالمدد الذي يمد الإرادة بالقدرة المادية
وفي إنتاجها الثقافي الذي أي بالمدد الذي يمد الإرادة بالقدرة الخلقية
وفي كيانها الروحي الذي يؤسس كل أنواع المدد في المناعة الوجودية للأمة.

وحينئذ فمن حيث لا تعلم تنقلب عندها مقومات الأمة الوجودية فتحرف قيم الثورة إذ تسمي تحررا عيشة العبيد التابعين الذين يدافعون عنها بدلا من القيام بما ينبغي حتى تستعاد سيادة الأمة ودورها للمشاركة في تحديد معالم العالم المقبل كما فعلت نخب الغرب في صراعها معنا خلال التاريخ الوسيط كله مقاومة انفعالية وفي التاريخ الحديث كله مقاومة فاعلية وكما نرى أمم الشرق الأقصى تفعل بعد كبوات أطول وأعمق مما عرفت حضارتنا.

                   أزمة الأمة الوجودية

إن ما نريد علاجه لا يقبل التفسير لا بالأخلاق ولا بالمؤامرة ولا خاصة بمناخ تبادل التهم بين الصفين اللذين يخضعان لتأثيرات هذا المناخ دون تحليل العلل التي ولدته للتخلص منه ومن تأثيره على الغالبية ممن ينضوون فيه دون قصد كما بينا في محاولة الأمس.

وترد هذه العلل حسب فرضيتنا إلى أزمة وجودية نتجت عن الهزائم المتوالية التي جعلت الكيان الجمعي تتحول فاعليته الحيوية للدفاع عن الوجود المستقل والسيادة الذاتية إلى فاعلية تهديم ذاتي عند من أصبحوا مرضى يوجهون عنفهم إلى المناعة الذاتية للأمة بدل المساهمة في إعادة بنائها لتستأنف دورها من جديد: 

أي إن ما أصيب بشيء من العطل في مناعتنا هو ما يسميه ابن خلدون بالرئاسة الإنسانية أو بحب التأله خاصية للإنسان الذي لم يفقد معاني الإنساني دلالة على أقصى معاني الحرية وإرادة الاستقلال عنده.

وحب التأله الذي يتكلم عليه ابن خلدون هو القدر الممكن للإنسان من التخلق بأخلاق القرآن الكريم للحصول على نصيب من صفات الذات الإلهية أعني: الإرادة فالعلم فالقدرة فالحياة فالوجود.

فالذروة هي الإرادة وهي تكون مجرد وهم خاو يشترك فيه الجميع لكنها لا تصبح حقيقية إلا بما يجعلها قادرة وذلك هو دور العلم حينئذ تصبح الإرادة حقيقية فيكون الإنسان حيا بحق ويستطيع أن يقول إنه موجود الوجود الذي يليق بذاته الإنسانية. وهي المنزلة التي يسميها ابن خلدون بالرئاسة الإنسانية بالطبع أي كونه سيدا لأنه يحب التأله بهذا المعنى أي بمعنى التشبه بالإله تشبها يمكن أن يكون إيمانا فيكون جهادا في سبيله ويمكن أن يكون طغيانا فيصبح حربا على القيم وهو معنى الاستبداد والفساد.

وإذن فالعلاج يرد إلى فهم المرض الذي يصيب الفاعلية التاريخية التي تنتج عن التزاحم على المكان بما هو معين الحياة وعلى الدور بما هو معبر عن مقدار التحرر من الخضوع للغير في هذا السهم من شروط الحياة. وفي حالتنا نحن فإن ذلك مداره العالم كله غاية ومحيط الأبيض المتوسط بداية باعتباره بهذا المعنى جامعا بين البداية والغاية لأنه كان ولا يزال بؤرة الحضارة الحديثة في العالم كله. وحتى نفهم معنى هذا التعميم على العالم كله فينبغي ألا ننسى أن ذلك قد حصل بفضل تمدد الحضارتين:
فقد كان ذلك في البداية مستعمرات العالم الإسلامي.
ثم أصبح في ما بعد مستعمرات الغرب الأوروبي.

ثم تحول ذلك إلى عولمة بالفعل لا بالقوة كما كانت في عهد الصراع الإسلامي المسيحي الوسيط بعدما تولد عن هذا الصراع الغزو الغربي للعالم فأنتج مستعمرتيه اللتين صارتا قطبي العالم فاستعمرتا أوروبا في الأخير ومعها مستعمراتها ومنها الوطن العربي والعالم الإسلامي.  فترتب على ذلك الهزائم التي جعلت طاقة الدفاع الذاتي تتحول عند الكثير إلى طاقة تهديم ذاتي لضعف في المناعة الروحية عندهم: 
الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وما نتج عنهما من عولمة مادية اقتصادية وعولمة رمزية إيديولوجية مناخا غازيا يسيطر على كل الشعوب التي تسعى إلى استئناف تاريخها كما في حالتنا منذ قرنين.

ما نتكلم فيه لا يمكن أن ينسب إلى القول بالمؤامرة ولا يكتفي بسطح الأحداث. فما نحاول تحليله ليس بالأمر الخفي حتى يوصف بالمؤامرة بل هو من حقائق التاريخ الثابتة للعلاقة المعقدة بين حضارتين متجاوزتين ومتنافستين منذ النشأة الأولى لتزاحمهما على نفس المكان وثمراته وعلى نفس الدور وامتيازاته في محيط الأبيض المتوسط بوصفه بؤرة هاتين الحضارتين اللتين وصلتا بين ثمرات التاريخ القديم وإرهاصات التاريخ الحديث من تاريخ البشرية الذي صارتا ممثلتين لملخص إبداعاته العقلية والروحية وتطبيقاتهما في السيطرة على الطبيعة وعلى العمران.

                               مقدمة نظرية - مقومات النصروالهزيمة في الحروب

لما وضع كلاوسفتس نظرية الحرب والنصر والهزيمة فيها حصر مراحلها المقومة في ثلاثة مراحل معلومة هي:
1-كسر جيش العدو أو الهزيمة العسكرية
2-والسيطرة على موارده المادية أواحتلال أرضه   
3-والسيطرة على روحه أو احتلال روحه.

وطبعا فهذا التصنيف على عمومه كاف لو كان الأمر مقصورا على الوصف الخارجي للمعارك العسكرية دون محاولة النفاذ إلى أعماقها الوجودية والروحية. لكن طبيعة الحرب ووظيفتها في حياة البشر باعتبارها في آن تعبيرا عن حرية الإرادة وعن السعي لضمان شروطها المادية والرمزية تقتضيان التدقيق في مقومات هذه المراحل. فالمرحلتان الأولى والثانية ليستا بسيطتين بساطة المرحلة الثالثة. إنهما مرحلتان مؤلفتان من مقوم ذاتي ومن دور تؤديه فيهما هذه المرحلة الثالثة التي هي أولى في الانتصار دليلا على غالبيتها وأخيرة في الهزيمة دليلا على مغلوبيتها. وفي الحالتين فهي تفعل بنسب قوتها بين الصفين. لذلك فهي مع كونها واحدة من المراحل فإنها حاضرة في جميع المراحل لذلك فنحن نعتبرها أصل كل المراحل بل هي علة الحروب وعلة النصر وعلة الهزيمة في آن.

وإذن فكلتا المرحلتين الأولى والثانية لا تفهم إلا بدور المرحلة الثالثة فيها. وأصل هذه المرحلة هو ما حدد مفهومه ابن خلدون بنظرية الرئاسة الإنسانية بالطبع أو حب التأله النظرية التي وضعها  في المقدمة لتفسير التداول بين الأمم في التاريخ العالمي أو في التاريخ الخاص بكل أمة على حدة. وهو أساس الاستبدال بالمعنى الإسلامي طاقة حيوية ذات سمات خلقية موجبة عند الصعود وسالبة عند النزول. فكلتا المرحلتين مؤلفة من عنصرين متمايزين شديد التمايز لأن الفرق الكيفي بينهما هو الذي يحدد الحسم من عدمه في الحروب ومن قابلية عكس المسار الحربي بين القوتين المتصارعتين. ولولا ذلك لما كانت الحروب سجالا ولكان المهزوم يبقى مهزوما دائما (إذ يقبل بحياة العبيد) أو ينقرض (إذ يفضل الموت على العبودية). 

وحضور المرحلة الثالثة بدورها في المرحلتين الأوليين مع  قيامها الذاتي يعللان:
من حيث الطبيعة بنظرية وجودية انثروبولوجية وضعها ابن خلدون لكنها غائبة في قراءاته السطحية الباحثة عن ماركس فيه بدلا من قراءته لذاته.
ومن حيث عموم الدور بنظرية ميتافيزيقية وضعها برقلس (فيلسوف أفلاطوني محدث من الشام بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين).

فابن خلدون يعتبر الأساس الأول في الحروب هو تعقيدة الأمة أو إيمانها المحدد لمنزلتها في الوجود بما تتضمنه من شروط لمناعتها  يجملها في مبدأ واحد يسميه بخاصية مقومة للوجود الإنساني هي كونه"رئيسا بالطبع" مع وصل ذلك:
بنظرية الاستخلاف النظري علماوعملا (استفراد الإنسان بالفهم العقلي للكون: علوم الطبيعة التي أسسها أرسطو خاصة).
وبنظرية الاستخلاف العملي علما وعملا (استفراد الإنسان بالاجتماع المنظم عقلا لا غريزيا: علوم الإنسان التي أسسها ابن خلدون خاصة).

وهو مبدأ راجع عنده لما يسميه بحب التأله ومن ثم لما يصل المناعة بالعقيدة. وحب التأله هذا يفسر به ابن خلدون غريزةالحرية عند الإنسان ونزوعه إلى السيطرة على محيطه الطبيعي ومحيطه الإنساني من أجل حيازة شروط هذه الحرية المادية (السيطرة على الطبيعة بعلومها) وشروطها الرمزية (السيطرة على التاريخ بعلومه).
فيكون الصراع محكوما بالتناسب في هذه الإرادة الحرة بين الجماعات والأفراد المتنافسين على ثروات المعمورة والمنازل في المجتمع من خلال حضور هذا المبدأ في العقائد العامة كالحال عندنا في مبدأ الجهاد فرض عين.

وماتعاني منه النخب المستعمرة ذهنيا هو غفلتهم عن هذا المبدأ بل وعدم فهمهم أن العدو يعمل بمقتضاه: 
فأمريكا التي ترفض فلسفة الجهاد من أجل المعتقد وشروط الوجود  الحر تطبق نفس المبدأ للسيطرة على العالم كله ثروات وبشرا وذلك هو معنى أساطيلها في كل بحار المعمورة وأقمارها في الفضاء وعملائها في كل البلاد.

لذلك فابن خلدون يعتبر الدفاع الذاتي للأفراد والجماعات من شروط معاني الإنسانية كما بين ذلك في نظريته في التربية التي كان يريدها تحررية لتحافظ على هذا المعنى عند المواطن. وهو يقيس عليها السياسة التي يريدها تحررية لهذا الغرض حتى ذهب إلى رفض تسليم الدفاع إلى حامية تجعل المواطنين عيالا على غيرهم في الدفاع عن حرياتهم وحقوقهم.

أما برقلس Proclus فإنه قد وضع مبدأ وجوديا يخص نظام الفعل في سلسلة العناصر التي يتقوم بها كيان الموجود. فهو يجعل المقوم المتقدم في السلسلة يؤثر بذاته ويؤثر بحضوره في ما يليه من حلقاتها إلى آخرتها بحيث إن المبدأ يتضاعف مفعوله الذي له بذاته والذي له بحضوره في كل الحلقات الموالية.
مثال ذلك لو اكتفينا بحلقتي سلسلة المعاني التي يتألف منها حد الإنسان أي كونه حيوانا ناطقا فيمكن أن نرى تأثير العنصر الأول "حيوان" بذاته كما في الاغتذاء والتوالد والحياة والموت ثم نراه في بتأثيره المتضمن في النطق مثل دور الإحساس والغضب المؤثرين في العقل إيجابا أو سلبا.
فيكون تأثيره مجموع التأثيرين ومن ثم فالحيوانية أكثر تأثيرا في الإنسان من العاقلية إلا ما ندر.

ولما كان حب التأله أو غريزة الحرية والسيطرة هو أساس في حالتنا التي نتكلم عليها فإنه يؤثر بذاته التي خصص لها كلاوسفتس المرحلة الثالثة من الحرب بهزيمة الروح ويؤثر في المرحلة الأولى بهزيمة البعد الخلقي عند الجندي وفي المرحلة الثانية بهزيمة البعد العقدي عند الجماعة كالحال عند المغتربين في ثقافة المستعمر عندنا والعملاء الذين بات ولاؤهم له أقوى من ولائهم لمعين ذواتهم بعدما أصيبوا بالفصام العبودي الذي يجعلهم يتماهون مع مستعبديهم فلم يبق لهم شيء من الرئاسة الإنسانية لأنهم لم يتحرروا من الطاغوت الذي تماهوا معه بدلا من التماهي مع القيم التي تحقق الحرية والكرامة المستقلتين.

المرحلة الأولى: مقومها الذاتي ودور المرحلة الأخيرة فيها.

فالمعلوم أن الجيوش تستمد قوتها من عاملين من طبيعتين مختلفتين بالجوهر ينبغي التمييز بينهما لنفهم مسار الحروب وطابعها السجالي الحتمي وهو ما يعلل تمادي الحروب قرونا أحيانا. فالحسم وكسر الجيوش ليس يسيرا إلا في حالات نادرة عندما يكون ما بين المتصارعين من فارق في هذين العاملين قد بلغ درجة تجعل أحدهما قادرا على إفناء الثاني كما حصل مثلا في أمريكا بسبب توفر هذا الفارق بين الغزاة الأوروبيين والهنود الحمر:
العامل العملي والخلقي: أخلاق المقاتل من الجندي إلى القائد.
العامل العلمي والتقني: وسلاح القتال من النبال إلى القنابل الذرية.

وإذن فالهزيمة والنصر مرتهنان إما بانخرام تناسب الصفين المتحاربين في العامل الأول أو في العامل الثاني أو في العاملين معا. وهو بصورة أدق مرتبط بدرجات التناسب بين العاملين عند الصفين الذي يرد إلى التناسب في دور العامل الثالث فيهما أعني المناعة الروحية ممثلة بعقائد الأمة ودرجة إيمان الأفراد بها أعني في النهاية بالتربية الروحية للجماعة. فإذا كسر الجيش بأحدهما فإنه يمكن أن يستأنف المعركة لأن الثاني يمكنه من الصمود حتى يسترد ما خسره من الأول. ولنا في مثال الانكسار سنة 67 والاستئناف سنة 73 بالنسبة إلى الجيش المصري. ولا ينكسر الجيش إلا عند فقدان القدرة في الإثنين معا. ولا يحصل ذلك إلا لضعف في العامل الثالث أعني في المناعة الروحية. وإذن فكسر جيش العدو له علتان:
أخلاق المقاتل وتدريبه ممثلا بأدائه في ساحة القتال.
وعلم المقاتل ممثلا بالتقنية والسلاح في ساحة القتال.

وما كنا لنثبت في حروبنا مع المستعمر والجيش المصري مع الجيش الإسرائيلي لولا العامل الأول وكذلك لولا الفارق الكبير فيه الذي جعل التفوق العلمي والتقني والاستخباراتي الإسرائيلي يعجز على الحسم أعني لولا دور العامل الثالث ممثلا بالمناعة الروحية للأمة. فهزيمتنا في العامل الثاني لا تكاد تقاس بأي مقياس خاصة وإسرائيل تستفيد من كل مكتسبات الغرب العلمية والتقنية والسند الاقتصادي والمخابراتي. ولولا هذه الازدواج في المرحلة الأولى لما كانت حروب التحرير بالمقاومة الشعبية أمرا ممكنا.

ولو لم يكن المسلمون مؤمنين بأهمية العامل الأول الذي هو في الحقيقة ثمرة حضور المرحلة الثالثة في المرحلة الأولى لحصل لهم ما حصل للشعوب التي انقرضت أو اندمجت نهائيا في ثقافة المستعمر: عقيدة الرئاسة الإنسانية متعينا في المسلم حقيقة وفي عقيدة الجهاد فرض عين أداة.

لكن شيئا من الهزيمة الروحية أصاب البعض منا – وهم العملاء والطابور الخامس - فصار يعتبر الجهاد إرهابا بل ويريد أن ينزعه من تربية الأجيال وحتى من القرآن وذلك هو مصدر ما يجري الآن من صدام حضاري في مجتمعاتنا: 
فهؤلاء المنهزمون يتصورون أن كل تمسك بالقيام الذاتي واستعادة الدور من الأحلام المستحيلة:
وهم لا يصارعون شيئا آخر غير هذا المشروع.

المرحلة الثانية: مقومها الذاتي ودور المرحلة الثالثة فيها.

والمعلوم أن الموارد هي بدورها مؤلفة من مقومين مختلفي الطبيعة ومن ثم فالسيطرة عليها مضاعفة كذلك.
فأما المقوم الأول فهو ذاتي لهذه المرحلة الثانية. وأما الثاني فهو عين حضور الثالثة في الثانية.
لذلك فالسيطرة على الأرض من دون السيطرة على أهلها تقتضي حضور العدو للسيطرة عليها بالاستعمار المباشر فتصبح ذات كلفة كبيرة عليه وهو ما يجعل الحرب الشعبية ممكنة. لذلك فكل استعمار لا يدوم إلا بمن استعمر ذهنيا من أهل البلد المستعمر. وإذن فالسيطرة على الإنسان هي العامل الثاني الذي يوطد نصر المستعمر في هذا البعد الثاني من الحرب.

فلا يمكن للعدو أن يسيطر على الأرض إلا بالسيطرة على سكانها وشغله لها بذاته يكلفه الكثير فضلا عن كون حضوره يستفز الإنسان فيثور كل من يريد التكريم ويرفض أن يهان. وهذا هو العامل الذي يفسر الاستعمار الاستيطاني الممزوج بشيء من السيطرة على بعض الإنسان كما في حالة الحركيين أي المتعاونين مع الاستعمار من أبناء البلد. وإذن فالمرحلة الثانية مضاعفة والنصر فيها لا يكون إلا بالبعدين معا:
السيطرة على الأرض أي أداة الحرية الأساسية باعتبارها مرود قيام الإنسان غير التابع
والسيطرة على الإنسان أي عين الحرية التي تتحول إلى تسليم بالعبودية.

ونحن الآن في المعركتين: معركة تكوين الإنسان الحر وتحرير الإنسان المستعمر ذهنيا.
تلك هي المعركة الجارية في ميدان رابعة مصر ضد العسكر وميدان التحرير الفاقدين للمناعة الروحية والراضين بالعبودية اللاواعية خلطا بين الحرية والتسيب الذي أغراهم به الاستعمار وقبل ذلك في قصبة تونس ضد الاتحاد والقبة الفاقدين للمناعة الروحية  والراضين بالعبودية اللاواعية لنفس العلل.

المرحلة الثالثة في الهزائم والأولى في الانتصارات

لكن هذه العناصر الأربعة أو المراحل الأربع من النصر عند أحد الصفين و الهزيمة عند الصف الثاني في كل حرب لها أصل واحد قائم بذاته على حياله وقائم بغيره ماديا ومقيم له رمزيا بوجوده في المرحلتين الأوليين اللتين تتضاعفان بفضل هذا الوجود: إنه المناعة الروحية للجماعة. وتأثيرها في الحروب يكون بما يحققه مننسب بين قوتي المناعة عند الأمتين المتصارعتين أو أي النسب بين حصانتيهما الروحية وغريزة الحرية عندهما.

فإذا كانت الأمة التي خسرت حربا ذات حصانة روحية أقوى من حصانة العدو بذاتها (مثلا الجهاد ركن من أركان الإيمان في الإسلام) وبما فيها من قرب للوعي العادي الذي ييسر عموم الإيمان بها إلى حد الموت من أجلها مهما تفوق عليها في عامل التقنية التي مكنته في النصر المؤقت على جيشها ومن احتلال أرضها فإنها تبقى قادرة على المقاومة بحصانة المؤمنين بها لتستعيد الأرض والقوة العسكرية فتهزمه على أرضها وتطرده منها لتنعكس بعد ذلك علاقة النصر والهزيمة.

لكن الندية ثم الانعكاس لن يحصلا قبل الانتقال من وضع المهزوم إلى وضع المنتصر المشروط بالخروج من التعثر الحائل دون ملاحقة العدو في أرضه الذي ينتقل إلى المقاومة عن طريق ما أنبته في أرضها خلال استعماره لها وقبل هروبه من بقاياه التي خدمته وأصبحت تابعة له روحيا: 
وهذه المرحلة هي المرحلة الحاسمة التي تمثلها معركةالربيع العربي أعني معركة التخلص من التبعية المادية والروحية التي نتجت عن الانحطاط الذي سبب الهزائم التي أدت إلى الاستعمار ثم بسبب الاستعمار الذي أنتج تواصل التبعية المادية والروحية.



Read More

الأحد، 4 أغسطس 2013

هلع أمريكي من فوضى قادمة لمصر والخليج

أغسطس 04, 2013 0

عبد الباري عطوان

لا بد ان نعترف بكل وضوح ان الولايات المتحدة الامريكية نجحت وحلفاؤها العرب في اجهاض مسيرة الثورات العربية، واعادة الديكتاتوريات بصيغة جديدة الى سدة الحكم مجددا، سواء كانت ديكتاتوريات عسكرية او مدنية طائفية الطابع، لكنها ستكون ومصالحها، الخاسر الاكبر في نهاية المطاف.

صحيح ان الجيوش العربية الرئيسية الثلاثة (العراق، مصر، سورية) قد تدمرت او انهكت، ولكن هذا لا يعني ان اسرائيل حليفتها الكبرى في مأمن، فالبديل عن الجيوش هو الفوضى المسلحة، وهذه في حد ذاتها اكثر خطورة على المديين القريب والمتوسط.


الادارة الامريكية اوكلت لحلفائها في المنطقة مهمة قتل المسيرة الديمقراطية، سواء من خلال ضخ المليارات من الدولارات، او توظيف قدرات التضليل الاعلامي الهائلة، وقد ادوا هذه المهمة على اكمل وجه طوال العامين الماضيين، ولكن النتائج جاءت معاكسة تماما.


الهلع الامريكي الاوروبي الذي نراه في اوضح صوره يتجسد حاليا في حجيج المسؤولين الغربيين الى القاهرة لانقاذ الانقلاب العسكري المصري من المأزق الذي تورط فيه، من حيث عدم القدرة على الحسم واعادة السيطرة على الاوضاع الامنية والسياسية هو المؤشر الابرز في هذا الخصوص.


فشل الانقلاب العسكري يعني تحول مصر الى دولة فاشلة في المنطقة، وانهيار كل المخططات الامريكية الغربية في تحقيق الاستقرار وما يتبعه من تدفق النفط رخيصا، وتحقيق الامن للاسرائيليين، وصعود موجات التشدد الاسلامي، وهذه هي الخطوط الاكثر احمرارا بالنسبة الى الاستراتيجية الامريكية في المنطقة.


بعد عشر سنوات على عملية التفكيك التي خططت لها امريكا جيدا في المنطقة، وبتوصية من حلفائها اليهود الاسرائيليين وغير الاسرائيليين، وبدأت بالحرب على العراق واحتلاله، وها هو السحر ينقلب على الساحر، فالعراق الذي خسرت فيه امريكا اكثر من الفي مليار دولار بات خارج سيطرتها ويقف في المعسكر الايراني المعادي لها، والحرب في سورية دخلت مرحلة الجمود وعدم الحسم وتبلور ثلاثة كيانات شبه مستقلة بدلا من الدولة المركزية القوية، ومصر محور الارتكاز الرئيسي في هذا المثلث تنجرف نحو المجهول.


اغلاق الادارة الامريكية للعديد من سفاراتها في المنطقة العربية يوم الاحد تحسبا لهجمات قيل انها من تخطيط تنطيم "القاعدة" احد العناوين الرئيسية التي تؤشر لهوية المرحلة المقبلة، وفشل ما يسمى بالحرب على الارهاب، وبدء صعود الجيل الثاني من هذه المنظمة التي ترفع راية الاسلام الجهادي.


تنظيم "القاعدة" وبعد عشرين عاما من تأسيسه في السودان (بذرته السياسية الاولى) وافغانستان (قاعدة انطلاقته العسكرية) بات قوة رئيسية يصيغ تطورات الاحداث في المنطقة سلبا او ايجابا (وفق موقف الناظر وعقيدته الايديولوجية) فقد بات احد القوى الرئيسية في سورية (جبهة النصرة ودولة العراق الاسلامية) ودون ان يخسر وجوده في العراق (شهد الشهر الماضي قفزة نوعية وكمية في عملياته ابرزها اقتحام السجون وتصعيد اعمال التفجير)، وتحول الى قوة ضارية في ليبيا (اقام امارات في اكثر من مدينة) وبات يسيطر تقريبا على منطقة الساحل الافريقي، ويثبت تواجده النامي في شبه صحراء سيناء.


مصر هي "بيضة القبان" بالنسبة الى الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، وهذا ما يفسر حالة الارتباك الراهنة التي نراها في تضارب التصريحات والمواقف الامريكية، والهجمة الدبلوماسية المتمثلة في تغيير السفيرة الامريكية (مدام اندرسون) واستبدالها بالسفير روبرت فورد مفجر الحرب في سورية، وارسال وليم بارنز نائب وزير الخارجية للبحث عن مخارج وتسويات.

امريكا ضخت اكثر من اربعين مليار دولار منذ اتفاقات فك الارتباط في اواخر السبعينات وقبيل توقيع كامب ديفيد عام 1979، ذهب معظمها الى المؤسسة العسكرية بهدف تدجينها واخراجها من الصراع مع اسرائيل، هذه المليارات التي حققت اهدافها على مدى اربعين عاما مرشحة حاليا لاعطاء نتائج عكسية تماما، اي فقدان السيطرة على مصر وانجرافها نحو الفوضى.


الخطأ الكارثي الذي ستندم عليه امريكا واسرائيل في المنطقة العربية فيما هو قادم من ايام، هو تشجيع الجيش المصري على الانقلاب واطاحة حكم ديمقراطي ورئيس منتخب، مع تسليمنا الكامل بالاخطاء القاتلة التي ارتكبها الرئيس مرسي ويضيق المجال لتعدادها، فاستخدام الجيش للقوة لتفريق المعتصمين المسالمين في ميداني النهضة ورابعة العدوية، سيشعل الحرب الاهلية، ويدفع بالمتشددين الى العمل السري المسلح، وعدم استخدام القوة يعني الفوضى وتفاقم حالة عدم الاستقرار، وانهيار هيبة الدولة (او ما تبقى منها) والمؤسسة العسكرية، وهي الهيبة التي ظلت مصانة على مدى قرون.


دول خليجية اعتقدت مخطئة ان وأد الثورة المصرية، ودعم الانقلاب سيشكل انتصارا لها، وتحقيق اهدافها بعدم وصول عملية التغيير الديمقراطي الى داخل حدودها، ولم تتصور مطلقا ان عملية الوأد هذه مستحيلة، وان البديل هو الفوضى.


جديد اعتصامات رابعة العدوية احياء الاسلام السياسي العربي، في السعودية وبعض دول الخليج خاصة، وينعكس هذا بجلاء في وسائل الاتصال الاجتماعي بعد اغلاق القنوات الفضائية الاعلامية الرسمية وشبه الرسمية امام رموزه ودعاته، فهؤلاء باتوا نجوم التويتر والفيسبوك.



قد تكون مليارات النفط ساهمت في تهدئة الغاضبين في الشارع الخليجي، لكنها في الوقت نفسه، وبعد ان ذهب مفعولها، مثل مسكن الآلام، بات الشارع يطالب بالمزيد منها.
الانعاكسات المباشرة لما يحدث في مصر على منطقة الخليج ستظهر في المستقبل القريب، ايا كانت طرق التعاطي مع معتصمي رابعة العدوية ورئيسهم الشرعي المعتقل، بالقوة او بالحلول السياسية فالاسلام السياسي هو الرابح في الحالين

Read More

الجمعة، 2 أغسطس 2013

دلالة المسعى الانقلابي - أبو يعرب المرزوقي

أغسطس 02, 2013 0


منزل بورقيبة في 2013.08.01

لن أشغل نفسي بهذا المسعى الانقلابي كما ينفخ فيه بثرثرتهم أرباع المثقفين المأجورين أشباه صحافيين كانوا أو أشباه مبدعين ومفكرين. وهم في تونس مثلهم مثل من من جنسهم في مصر. فهؤلاء ليسوا إلا أبواقا و"تياسة" لمن بيدهم الحل والعقد في الاستراتيجية المبنية على ثقافة الحقد والكراهية ضد الشعب ونخبه الأصيلة الشعب الذي يحتقرونه ويستهينون بمعتقداته وقيمه ورموزه التاريخية والروحية خاصة معتبرين أنفسهم أوصياء عليه ونوابا لمستعمر الأمس في إدارة دولة الاستبداد والفساد التي تمتص دمه وتفقده مقومات الحرية والكرامة مطلبي الثورة.

ما يعنيني ليس أولئك الذين ينظرون لتعفين الأوضاع بخدماتهم الذليلة بحثا عن الفرصة الوحيدة للاعتراف بهم من قبل محتقريهم لأنهم رغم تنكرهم ليسوا إلا من طبقات من الشعب الدنيا في الأغلب لأن أبناء مستخدميهم جلهم لا يعترف حتى بأن تونس وطن لهم بل أوطانهم هي حيث هربوا ما نهبوه من عرق الشعب وثرواته. إنهم يجدون في مجرد الجلوس مع البرجوازية المزيفة فرصتهم الوحيدة لنيل إعجابهم باعتبارهم سادتهم المتفضلين عليهم بفتات موائدهم وبالتربيت على أكتافهم وأكبر جزاء هو دعوتهم في بعض بلاتواتهم لبث السموم ضد قيم الأمة ورموزها التاريخية والروحية. لكن انتفاخ أوداجهم والثورية الجوفاء لن تغطي عن ضحالة مستواهم ولا عن عمالة مبتغاهم.

أهل الحل والعقد في الثورة المضادة

ما يعنيني هو محاولة تحديد العلة الأساسية لمجريات ما يحدث هذه الأيام في تونس نسخا سخيفا لما يجري في مصر في استراتيجية الثورة المضادة. إن العلة الرئيسية هي عندي جملة من الأحداث التي تجعلني أشك في تصديق طرفي المعارضة الأكبرين (النداء و الاتحاد) لنفسيهما في ما يتعلق بشعبيتهما. سلوكهما الحالي يدل على أنهما اكتشفا - كما اكتشف انقلابيو مصر بعد خمس جولات انتخابية - أن شعبيتهما ليست على ما يتصورانها عليه بعد فشل كل المناوشات في إيقاف مسار الانتقال الديموقراطي ومن ثم محاولة الانتقال إلى الصدام الذي يتصورونه حاسما ونسخا لما يجري في مصر وقياسا عليه بكل غباء:

فتجمع النداء بدأ يتفكك بفعل أمرين هما ما توقعت أنهما قاضيان عليه حتما : عودة الدساترة وتحرك أحزاب الوسط التي أفرغها النداء من جمهورها بسبب تقديم نفسه حاميا لها من النهضة وضامنا لها النجاح من خلال تحالف معه هو في الغاية قتل خفي لها من خلال "تشليك" زعمائها.

وتجمع الاتحاد بدأ يخسر عطف المنتسبين إليه بسبب ما سببه للكثير منهم.وكذلك بسبب منتسبيه الحدد الذين هم في الغالب من التجمعيين اللذين يمكن أن يقضواعليه في أي لحظة إذا لم يصبح مجرد أداة في النداء أو في التجمع بعد نهاية النداء.

فأصبح طرفا الأعراف السياسيين في المعارضة أي التجمعان من جنس طرفي اللومبون برويليتاريات أي المستخدمين لديهما من اليساريين والقوميين والليبراليين المؤمنين باليعقوبية الفرنسية في الساحة السياسة والنقابية والثقافية والإعلامية. إن التجمعين والحركات المجهرية باتوا جميعا في الهوى سواء أي إنهم يخافون من أن يصبحوا جميعا من جماعة صفر فاصل أو ما يقرب منها. وذلك للأسباب التالية:

فمجرد شروع الدساترة في العودة إلى الساحة السياسة وسيطرتهم المتدرجة على جزء كبير من قاعدة الاتحاد
وتقليل النهضة من التصدي للنداء لترك المهمة لمنافسيه الحقيقيين في نوع المخاطبين بخطابه
وتصدي أحزاب الوسط له مقاومة لسعيه نحو افتكاك جمهورها وشغل محلها في الساحة.

تلك هي الإجراءات الثلاثة التي نصحت ببعضها تبين أنها تمثل بداية النهاية للنداء. ونفس ما قيل عن النداء يقال عن الاتحاد. فدوره الذي كان حكرا على اليسار و القوميين باتت قاعدته الأساسية من الدساترة والإسلاميين. وما سيزيل في المدى المنظور تفرد اليسار والقوميين بقيادته فتعزل فوضي اليساريين والقوميين. وطبعا فهذا يشترط فصل الاتحادات عن الدولة كما فصلت عنها الأحزاب شرطا في سلامة المسار الديموقراطي وتجنبا لتوظيف السياسي في النقابي والنقابي في السياسي. ذلك أن الدولة عليها ألا تبقى ممولها الرئيسي فتكون مخربة للاقتصاد ومعطلة للمصالح العامة. لا بد من تطبيق مبدأ التعدد النقابي قياسا على التعدد السياسي وترك المنتسبين يدفعون اشتراكهم مباشرة بدون قطع مباشر في المنبع.

عناصر الإشكال

لكن ضعف المعارضة و يأسها ليسا مما يفرح. و من ثم فلا ينبغي أن يفهم من هذا التحليل الدعوة لإضعافها بل هو دعوة لتأسيسها على أسس سليمة وغير مغشوشة لأن الغاية هي وجود حكم ومعارضة سليمين حتى يكون التداول السياسي على الحكم تداولا معبرا عن إرادة الشعب الفعلية. فالتوازن السياسي بين الحكم والمعارضة ضروري للحكم السوي وللمتداول عليه. والشرعية السياسية مختلفة تماما عن الشرعية النقابية:

الأولى تعبر عن الإرادة بصورة عامة للشعب بصورة عامة والثانية لا تعبر إلا عن إرادة مخصوصة بالحقوق النقابية للمنوبين.
الأولى مصدرها المواطن من حيث هو مواطن عامة والثانية مصدرها المواطن من حيث هو عامل.

إن اليأس من الوصول إلى الحكم بالطريقة الديموقراطية هو التعليل المنطقي الوحيد لهذا التلهف العجيب على الوصول السريع بالسعي إلى افتكاكه عنوة توسلا لفوضى الشارع ولتعطيل عمل المؤسسات المعدة للدستور ولأدوات العملية قانونا ومؤسسة وضبط الأمن بمعناه المسيطر على العنف وبمعناه المحقق للخدمات التي ترضي الناس فتحقق القبول والاطمئنان.
وليس من المستغرب أن يكون ما يفكر فيه البعض دافعا إضافيا أعني أن يكون لسن البعض دور في هذا التلهف. لكني أشك في هذا الدافع لأن القيادات حتى وإن خافت من ضياع الفرصة عليها فهي مطمئنة إلى أن لها من الخلايف قدرا كبيرا. لكن الخلايف الكثير يمكن أن يكونوا بسبب كثرتهم أحد أسباب التعثر والعجلة.

فالخوف من انفجاز البيت بسبب صراع الزعامات قبل الوصول إلى ما يمكن أن يحقق اللحمة بين التيارات التي لا يوحد بينها إلا السعي لإزاحة الإسلام السياسي يحققها عند تقاسم حلوى الحكم في نداء التجمع ونداء الاتحاد قد يكون من العلل الجدية لهذا المسعى الأهوج والمناقض لما يقتضي العقل أن يكون هو المنتظر:
فكيف لمن هو متأكد من أن الانتخابات ستوصله إلى ما يبتغي ويشتهي فينال مبتغاه ومشتهاه بصورة شرعية أن يترك ذلك ويقوم يعمل يجعل البلد خرابا فيفقد كل أمل في ما يسعى إليه ؟

العلة الفعليةلما يجري في تونس ومصر

الجواب الوحيد بالنسبة إلى تونس (ومثلها مصر) هو أن التجمعيْن أي النداء و الاتحاد وصلا إلى اليأس مما كانا يحلمان به سلميا وديموقراطيا فأصبحا من جنس من كانوا يستعملونهم أدوات للضغط يحركانهم لفرض بعض مطلوبهم مع التحكم فيهم أعني اليساريين والقوميين والمسترزق من النخب والإعلاميين حتى لو أدى ذلك إلى التضحية ببعضهم خلال الطريق (الشهيدان منهم) وبهم جميعا في غايته (سيخرجون بخفي حنين من الانقلاب إن تم وهو ما نراه بعد بالعين المجردة في مصر حتى إن من يتصور نفسه شخصية عالمية أعني البرادعي صار نهبة للثلب والتخوين):
صاروا هم أيضا من جنس من يرى أن ما لا أستطيع نواله بالسلم و الديموقراطية عليه أن يفتكه بالانقلاب والشارع كما صرح بعضهم.

والحقيقة هي أن ذلك كله سببه الخوف. وإذن فالعلة سلبية وللحائزين على الحكم فيه دور لا يستهان به لأنهم لم يحققوا ما يمكن أن يعد من شروط الحكمة والدهاء السياسيين للحد من أسباب التوتر بمجرد عدم تصور الديموقراطية وكأنها قد أصبحت في أفضل حال لكأننا قفزنا بين عشية وضحاها من دولة الاستبداد والفساد إلى دولة الحرية والصلاح.
والخوف هو الذي يحدد بدقة تامة دلالة هذا المسعى الانقلابي في تونس وفي مصر على حد سواء إذ حتى الحدة في التعامل مع الإسلام السياسي من منطلق الموقف اليعقوبي الفرنسي ليس كافيا لتفسير تجاوز كل معقول في سلوك النخب التي لا ناقة لها ولا جمل لأنها في الحقيقة مجرد أبواق وأغلبهم عضاريت بمعنى يعملون بقوت يومهم تماما كما يعيش عبيد القرون الوسطى.

المشكل العميق هو حقيقة الخوفين التي هي حقيقة فعلية ومن ثم فهما خوفان موضوعيان علينا علاجهما لتنقية الجو وتيسر الانتقال الديموقراطي. فمن يوضع في حال يشعر أنه سيخسر كل شيء يصبح كمن لم يبق له شيء يخسره فيطبق منطق علي وعلى أعدائي.
وسنكتفي الآن بتعريف الخوفين مع الوعد بالعودة إلى العلاج المزيل للاحتقان السياسي في بلاد الربيع العربي اعتمادا على الحكمة وحتى الدهاء الذي هو الجزء الرئيس من الحكمة السياسية. فمبدؤها هو شعرة معاوية. والمعلوم أن هذا الخوف المحرك للمعادين للثورة نوعان لا يمكن لمن هو مطلع على مجريات الأحداث إذا كان من ذوي البصيرة ألا يحتاط في التعامل معهما:

النوع الأول ملتفت إلى كيفية التعامل مع إرث العهد الماضي: مشكل المحاسبة و المصالحة. وهو من جانب المعارضة التي تريد الرجوع بالانقلاب مشكل الخوف من فقدان امتيازاتهم العهد السابق أعني ما يسمونه مكتسبات الحداثة التي هي مكتسباتهم هم على حساب بقية الشعب. وهذا مشكل أول حقيقي ولا بد من علاجه لتجنب الحرب الأهلية.

النوع الثاني ملتفت إلى مستقبل الحضور السياسي في النظام الجديد أو مشكل التداول على الحكم بالنسبة إلى اليائس من الحصول على الأغلبية بصورة شبه مطلقة. فهذا مشكل حقيقي لا بد من علاجه لتجنب دكتاتورية الأحزاب الجماهيرية على أحزاب الأقليات.

وسنعود إلى هذين النوعين من الخوف سبب اليأس ومن ثم القابلين لجعل الصدام يصبح أكثر احتداما لعلاجهما علاجا يقلل من تأثيرهما في الساحة السياسة التونسية ويعيد إليها توازنها بإعادة الاعتدال في صفي المعركة.لا من الحد من هذين الخوفين لتلطيف المناخ السياسي. ذلك ما سنراه لاحقا.

Read More

الأربعاء، 24 يوليو 2013

كيف نفهم مفارقات المرحلة

يوليو 24, 2013 0

أبو يعرب المرزوقي
منزل بورقيبة في 2013.07.24




المعادلة الأولى

أصل الفتنة الصغرى: إسلامي علماني

إذا حاولت صوغ القضية التي يدور حولها الخلاف الحالي (خلال الربيع العربي من حيث هو استئناف رسالة الإسلام دورها التاريخي الكوني) بين النخب السياسية وتابعيهم من النخب الثقافية والإعلامية تجدها قابلة لهذه التوصيفة:

ما أساس الحكم؟ هل هو إرادة الشعب التي تختار بحرية مطلقة من يحكمها بمقتضى ما تؤمن به وتسعى لتحقيقه من قيم أم هو إرادة نخبة تختار القيم التي تريد فرضها ومن يحكم ممن يمثلها معتبرة إياها متعالية على فهم الشعب سواء كان هذا المتعالي مستمدا من المعتقد العقلي أو من المعتقد الديني (لأن كليهما يدعي العلم)؟

فيكون الخلاف اليوم ليس بين ديموقراطي ولا ديموقراطي بل بين تصورين للوصاية على الشعب أولاهما تؤسس النخبوية على ما تعتقده علما بالحقيقة العقلية والثانية تؤسسها على ما تعتقده علما بالحقيقة الدينية:

ومعنى ذلك أن النخبة السياسية جميعها لها اليوم موقف من الشعب قريب من الموقف القديم في فلسفة أفلاطون: الشعب لا يعرف مصلحته ولا بد من وصاية عليه والخلاف بين الصفين إذن لا يتعلق بالديموقراطية بل بطبيعة الوصاية هل هي لمن يدعون تمثيل الحقيقة المزعومة دينية أو لمن يدعون تمثيل الحقيقة المزعومة عقلية.

المعادلة الثانية أو أصل الفتنة الكبرى: سني شيعي

وإذا حاولت صوغ القضية التي دار حولها الخلاف الماضي (خلال نزول القرآن من حيث هو نشأة الرسالة الإسلامية الكونية) بين الصحابة بعد وفاة الرسول الأكرم وتابعيهم من النخب الثقافية والإعلامية ممثلة بالقصاصين والقرائين في المساجد تجدها قابلة لهذه التوصيفة:

ما أساس الحكم؟ هل هو اختيار الجماعة بمقتضى ما تؤمن به مما فهمت من القرآن والسنة أم هو إرادة نخبة تختار من يحكم من أهل الحل والعقد النسبي لتعلقه بالعلم الاجتهادي أو من أهل الحل والعقد المطلق لتعلقه بالعلم اللدني؟ ومن ثم فالخلاف ليس بين من يؤمن بحكم الشعب المؤمن لذاته ومن لا يؤمن بذلك بل بطبيعة أهل الحل والعقد: هل هم أهل المعرفة المكتسبة والخبرة أم هم أهل العلم اللدني والموروث: وهنا أيضا الأمر لا يتعلق بحكم المؤمنين لأنفسهم بأنفسهم بمقتضى مبدأ أمرهم شورى بينهم بل هو يتعلق بطبيعة الوصاية: وذلك هو الفرق بين السنة والشيعة. الاختيار المحصور في أهل الحل والعقد الاجتهاديين مقابل الوصية والحق الإلهي في الحكم.

المعادلة الثالثة: أو أصل الفتنة الأكبر: منطق المفارقات

إذا حاولنا الآن صوغ العلاقة بين المعادلتين فحددنا الخيط الواصل بينهما أو بين أصلي الفتنتين فإن كل ذي بصيرة يرى بوضوح أن ما يجري مناقض تماما لما كان من المفروض أن يحصل لو حافظت المعادلتان على مبدأ تكونهما:
فالمنتظر عند تحكيم المنطق هو أن يكون السني والعلماني على وفاق لأن كليهما يقول بالوصاية النخبوية ولا يؤمن بأهلية الشعب لحكم نفسه بنفسه. وكلاهما يربط هذه الوصاية بالاجتهاد الإنساني وليس بالحق الإلهي: ومعنى ذلك أنه سواء جعلنا المرجعية القيم التي يتوصل إليها الإنسان بعقلة أو القيم التي يتوصل إليها بإيمانه فإن الحاكم في الحالتين لا يتبغي أن يدعي العصمة بل هو يعتبر المرجعية فوق الجميع ومن ثم فكل مواطن يمكن مبدئيا أن يشغل هذا المحل سواء وصل إليه بالعقل أو بالإيمان.

هذا هو المنتظر لو كان سلوك العلماني متناسقا. لكن ما نشهده في الساحة السياسة قطرية كانت أو عربية هو الوفاق المقابل تماما أي إن العلماني القائل بالاجتهاد العقلي للحاكم يحالف الشيعي القائل بالحق الإلهي والعلم اللدني للأيمة. فكيف نفهم هذه المعادلة الجديدة في تحالفات الساحة العربية خاصة والإسلامية عامة؟ لا يوجد إلا حلان لا ثالث لهما لفهم هذه المعادلة أحدهما ممتنع بمقتضى الحد والثاني هو الباقي:
فلا يمكن أن يكون العلماني قائلا بالاصطفاء الإلهي وبالعلم اللدني لأن هذا مناف للقول بالاحتكام إلى العقل. وإذن فالحكم المؤسس على النخبوية المعرفية لا يمكن أن يكون موروثا بمعنى الحق الإلهي بل هو مكتسب. والمشكل هو في شروط الاكتساب: إنها شروط اجتماعية وطبيعية ليست في متناول الشعب الجاهل والأمي والغبي ذلك هو تقويمه لسلوكه الانتخابي كما تبين في التجربة التونسية والمصرية. وليس هذا حكما من عندي بل كان صريحا في أحكامهم الصادرة خاصة من أفواه أصدقهم أعني أكثرهم عفوية في التعبير عما في نفوسهم.

وإذن فالعلماني العربي ليس علمانيا ولا تقدميا ولا حتى معاصرا للفكر الحديث بل هو من القائلين بالاصطفاء الطبيعي بالمعنى اليوناني والاجتماعي بالمعنى الطبقي ومن ثم فهو ما زال من القائلين بالنظرة القديمة للديموقراطية. إنه يؤمن في قرارة نفسه بأن الشعب عاجز بالجوهر على حكم نفسه بنفسه وأن الحكم ينبغي أن يكون حكرا على المصطفين طبيعيا واجتماعيا أعني أبناء طبقة بعينها لأنه. وهذا المعنى هو ما عبر عنه بعض مفكري مصر وتونس حتى قالوا إن الأميين ينبغي ألا يكون لهم الحق في التصويت وكادوا يختارون طبقيا التصويت "السنزيتار" الذي لا يسمح لغير الأغنياء بالتصويت.

المعادلة الرابعة: أو أصل الفتنة الأصغر: المستعمر: الانديجان

من هنا تفهم أمرين لان أصل الفتنة الأصغر يفقدهما ما فيها من مفارقة لا يستسيغها العقل السليم: فاحتقار الشعب واحتقار طريق إدراكه للقيم أعني ثقافته الدينية والعفوية التي لا تحتاج إلى أن يصبح المجتمع كله من علية القوم حتى يحق له المشاركة في تحديد مصيره مع الكلام على الديموقراطية بمعناها الملتبس هو في الحقيقة الكذبة التي تخفي أصل الفتنة الحالية أصلها الحقيقي. ذلك أن كل ذلك لا يكون أمرا ذا مفارقة إلا إذا واصلنا الظن بأن الديموقراطية يقصد بها عندهم ما تعنيه في الفكر الحديث الذي يميز بين التعبير عن الإرادة الشعبية التعبير الذي هو حق للجميع فضلا عن كونه في متناولهم والكفاءة المعرفية والخلقية التي تتعلق بوسائل تحقيق هذه الإرادة.

إن هذه الظاهر هي عينا الحاجة إلى انتخاب الحاكم من قبل الجميع لمعرفتهم بالمطلوب وبالقادر على تحقيقه من منطلق الثقة فيه لمعرفتهم به. وكل ذلك غني عن معرفة تقنيات الحكم فضلا عن معرفة العلوم النظرية والعلوم العملية. معرفة الشعب بمصلحته الاقتصادية لا تعني أنه ينبغي أن يكون عالما بعلم الاقتصاد. إنها من جنس ركوب السيارة دون علم بالميكانيك وركوب الدراجة دون علم بدينامية الهواء.

أما إذا أخذنا الديموقراطية بمعناها القديم أي كما كانت عند اليونان فإن المفارقة عندئذ تزول بالطبع. فالديموقراطية هي حكم الأسياد دون مشاركة العبيد. وقد عدلها مزيفو الديموقراطية بتمكين العبيد من المشاركة الزائفة كما كانت في عهد الباشوات في مصر سواء قبل ثورة عبد الناصر أو بعدها لأن باشوات العسكراتية الأهلية حوضت باشوات العسكراتية العثمانية وكما كانت في العهدين السابقين في تونس بشهادة من يقدم نفسه اليوم على أنه حامي الديموقراطية: ومن ثم فهذا الفهم ما يماشي الوظيفة التي يريدون القيام بها. إنها الوظيفة التي تواصل سياسة التحديث المستبد للأنديجان السياسة التي فشل فيها الاستعمار المباشر فكلف بها الاستعمار غير المباشر عن طريق النخب التي هندسها بحسب فكره وفلسفته ووكلها لتحقيق خططه أعني مسخ الشعب للإطاحة بآخر خطوط الدفاع أعني الحصانة الروحية والإيمان بالذات وبقيمها.

المعادلة الأخيرة: أصل كل الفتن: الثورة الكونية

وبذلك يتبين سر هذه المعادلات كلها: فعودة إسلام أغلبية المسلمين أي الإسلام السني للتاريخ مع تبنيه سياسة الصلح الناجح بين الطريقين الموصلتين إلى تحقيق القيم الكونية التي تجعل الحكم آليات اجتهادية لتحقيق المصالح العامة وليس حقا إلهيا لذوي العلم اللدني والعصمة أو لنخبة اجتماعية تدعي العلم والكفاءة باطلا فضلا عن الأمرين غير ضروريين لانتخاب الشعب ممثلي إرادته ذلك هو جوهر الربيع العربي الذي اتضح بفضل غباء الانقلابيين.

فهذان الموقفان السني في مقابل الحلف الشيعي العلماني عرفهما ابن خلدون عند مقابلته بين النظرتين السنية والشيعية ودعوى الحاجة إلى العلم لدنيا كان أو عقليا لاختيار من يحكم لا بد أن يحقق الحلف المدنس بين عملاء البربريات التي حاربت الإسلام منذ نشأته إلى اليوم. فحلفاء الصليبيين والمغوليين والاستعمار الفرنسي والانجليزي والأمريكي كلهم ينتسبون إلى هذين الفصيلين اللذين يمثلان أقلية متحالفة مع أعداء الأمة دائما:
فصيل التشيع الصفوي الذي يستند في نظرته للحكم على الحق الإلهي المزعوم ويستمد من فشله في فرض هذا التصور على المسلمين سياسة الانتقام التي حكمت تاريخه كله من ابن العلقمي إلى الذين أتوا على ظهر الدبابة لحكم العراق بعد تخريبه ويواصلون السعي لحكم الهلال الخصيب والخليج الذي له قيادات عمياء جعلتهم يقطعون الغصن الذي يجلسون عليه فيسعون إلى إفشال الربيع العربي في عرينه.

فصيل التعلمن اليعقوبي أو من يماثله قديما وحديثا والذي يستند في نظرته للحكم على الحق النخبوي المزعوم ويستمد من فشله في فرض هذا التصور على المسلمين سياسة الانتقام التي تحكم تاريخه كله بالتحالف مع الدكتاتوريات الفاشية الذي لا يصلون إلى الحكم إلا بالانقلاب وهدر دم الشعب والتآمر مع الأجهزة الاستخباراتية الأجنبية.

فيكون الخيط الواصل هو عمالة أقلية ينصبها المستعمر لحكم الأغلبية ويحمي سياسة الاستبداد والفساد لأن الاستبداد هو شرط الوجود في الحكم والفساد هو أجر القيام بالوظيفة. وقد يكون مثل هذا الموقف مفهوما لأنه الموقف الغالب على من يشعر أنه أقلية مع الطموح لحكم الأغلبية. إنهم إذن طابور خامس يستبد بشؤون الجماعة لخدمة سيده الذي يجازيه بإطلاق يديه في الفساد ويفتح له بنوكة لتهريب أجره وتجويع شعبه.

لكن الطابور الخامس في هذه الحالة صار واضح الدور المتجاوز للأقطار عند أخذها فرادى بل هو تحقيق لسياسة أوسع بدأت منذ فقدان المسلمين لأدوات دورهم الذي كانوا قادرين عليه في قلب المعمورة: منع المسلمين من استرداد حقهم في أن يحققوا شروط الاستقلال الحقيقي الذي يمكنهم من أداء دورهم في تحقيق قيم الرسالة التي هي رسالة موجهة للعالمين: كرامة الإنسان وحريته الإنسان عامة كما تحدد ذلك الآية الأولى من سورة النساء.














Read More

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

أعداء الثورة: الخسران المبين - أبو يعرب المرزوقي

يوليو 23, 2013 0


أبو يعرب المرزوقي - منزل بورقيبة في 2013.07.23



ليست الغرابة في استعمال الانقلابيين بالفعل للبلطجية (بالمصري) وفي سعي الانقلابيين بالقوة للباندية (بالتونسي). إنما الغريب أمر آخر هو ما أريد أن أوجه إليه الانتباه لأني اعتبره من أهم الأدلة على أن ضديد الثورة يحتضر وأن أعداء الثورة بدأوا يعترفون بخسران معركة العمل السياسي المشروع.

ومن ثم فهذا الاستعمال للعنف العاري من كل غطاء شرعي هو التعبير الصريح عن اليأس من الديموقراطية والتسليم بأنهم لايمكن أن يحكموا إلا بالدكتاتورية. ومن ثم فهم مضطرون للمعارضة الصريحة للثورة والدعوة إلى العودة للمخلوعين في مصر بداية وفي تونس غاية استكمالا للاستراتيجية التي لم تغب عن فهم أي مواطن: 
استراتيجية تخريب الخدمات والأمن بمعناه العام وبمعناه الغذائي والصحي لوضع الشعب أمام المفاضلة بين ما كان قبل الثورة وما ترتب عليها.

وما ذهبوا إلى هذه الغاية القصوى في التصدي للثورة إلا اعترافا بأن هذه الاستراتيجية لم تنجح. فلجوء الانقلابيين إلى البلطجية في مصر ولجوء من يريد أن يحاكيهم إلى الباندية في تونس ظاهرة من طبيعة واحدة لا يستغربها إلا من كان يجهل أن من كانوا يحكمون لم يكن بأيديهم غير وسائل الحكم الأقلي وغير الشرعي لفقدانهم مقومات الحكم ذي الشرعية الشعبية والخلقية.

فهم أقلية تعيش في قطيعة تامة مع الشعب وقيمه. ومن ثم فلا بقاء لهم إلا بتوكيل القوة الاستعمارية وسندها. ومقومات الشرعية التي تكلمنا عليها في محاولة سابقة لو كانت موجودة لديهم لأغنتهم عن البدائل الزائفة التي كانت تمدهم بحياة اصطناعية تقضي المرحلة التاريخية بقطعها فأصبح حالهم حال المريض الذي يرى أسلاك الحياة الاصطناعية في سرير المرض تنزع منه الواحد بعد الآخر:

1-سند سيده الأجنبي للقيام بوظيفة الاستعمار غير المباشر بدلا من الشرعية الشعبية سواء كان هذا التوكيل الاستعماري بالإنابة المباشرة في بعض البلاد التي استقلت ظاهريا (المغرب العربي) أو في البلاد التي أوهموهم بثورات جهازية أعني الانقلابات العسكرية والأمنية لعدم توفر ما توفر في الحالة الأولى (المشرق العربي).

 2-أخطبوط الفساد سهما من خدمةالمصالح الاستعمارية وأداة لشراء ضمائر النخب العميلة وهو إذن جهاز مادي رمزي أعني مؤلف من حلف بين فساد الأعمال والإعلام أداتين لتوطيد الثقافة الممكنة لهذه الأنظمة عديمة الشرعية من تغيير ثقافة الجماعة.

3-أجهزة العنف الرسمية لإسكات كل معارضي الاستبداد والفساد اللذين يحاول ان تأبيد التبعية أعني الأدوات التي تساعد على فرض تلك الثقافة بشرط أخذ نصيب من ثمرات الفساد ومن ثم بشرط أن تكون هي بدورها متمعشة من الفساد.

4-وأجهزة العنف الموازية لكل ما لا يمكن أن يعلن من القذارات فضلا عن المراقبة الدائمة لأنفاس المواطنين لأن أجهزة العنف الرسمية يمكن ألا ترضى بالنصيب الذي يترك لها فتكون مشكوكة الولاء ومن ثم فلا بد من جعلها هي بدورها محل مراقبة و خاضعة لجهاز الأجهزة أي جهاز الاستعلام و الباندية و الفساد الخلقي و أداته الأساسية تجارة الجنس.

5-وأساس ذلك كله فلسفة ثقافية يتصدرها أنصاف المثقفين الذين يحاولون هندسة  نموذج اجتماعي تحكمه غرائزهم البهيمية و تصوراتهم السطحية مع تزيين ذلك كله بشعارات تقدمية و تحديثية يحتاج إليها الوكيل لتلميع صورته ويحتاج إليها سيده لتبرير التناقض البين بين ما يدعيه من قيم إنسانية ومايمارسه من أبشع الشناعات البربرية.

ولما كان صمود المقاومين في الأمة قد شمل المعمورة و بات أكبر خطر على فاعلية هذه المنظومة وبلغ الصمود إلى الانفجار الذي يمثله الربيع العربي فأصبح بنيانها متداعيا بدأ الأساس المادي الأول يتصدع (السند الأجنبي خوفا على مصالحه) و أصبح الأساس الرمزي الأخير أو هذه الثقافة يتآكل (الفلسفة الثقافية التي أثبتت أحداث مصر أنهم متاجرون بها ولايؤمنون بأي قسط منها مهما كان ضئيلا) فإن ما بقي للانقلابيين يقتصر على مقومات الدولة العميقة الثلاث الوسطى أعني:
1-أخطبوط الفساد الأعمالي و الإعلامي خدمة للوكلاء وسادتهم الأجانب
2-وما في جهاز العنف الرسمي من فساد ومن خضوع لجهاز العنف الموازي
3-وجهاز العنف الموازي الذي هو أداة جهاز الاستعلام ليس لحماية المصلحة الوطنية بل لحماية وكلاء الاستعمار.

و لما كان جهاز العنف الرسمي بحكم الوظيفة الاستعلامية لجهاز العنف الموازي الخانق لأنفاس المواطنين عامة والأحرار منهم خاصة فإن هذا الأخير هو المتغلب و هو مركز الثقل في عمل الدولة العميقة: 
لا بد من قطع أيدي الدولة العميقة أعني الاستعلامات والبلاطجة في مصر والبوليس السياسي والباندية في تونس. والمهم ألا نتصور هذه الأيدي مقصور وجودها على الأجهزة فهي موجودة في الإدارة وفي الأحزاب وفي منظمات المجتمع المدني المتمعشة من السفارات والمنظمات الدولية التي تدعي الخيرية وتشجيع البحث العلمي. كلها استعلامات و اخطبوط نفوذ لتوجيه الرأي العام.

وليس هذا الحكم مجرد تصور نظري فالجميع بات يراه بأم عينيه في ميادين مصر بل هو بات يطل برأسه في كل نواحي تونس وليس مقصورا على العاصمة: إنه إذن الملجأ الأخير للدولة العميقة و العميلة في آن وهو إذ تحدد جعل نفسه عاريا أمام الثورة و من ثم فالإجهاز عليه وإن لم يكن يسيرا فهو لم يعد مستحيلا:
فلجوء أصحاب الانقلاب الحاصل بالفعل في مصر إلى بلطجية المخابرات.
ولجوء أصحاب الانقلاب الحاصل بالقوة في تونس إلى باندية البوليس السري.

هو في الحقيقة لجوء إلى آخر أدوات البطش والعنف بتغطية من جهاز الفساد بفرعيه الاقتصادي بممثليه (قيادات الأرباب وقيادات العمال) والثقافي بممثليه (ممثلي الإبداع التابع و ممثلي الإعلام التابع) دليل على الاعتراف الصريح باللجوء إلى آخر خرطوشة و من ثم فهو آخر مراحل النهاية. وليس الاعتراف اعترافا بما كان حاصلا قبل الثورة.  فهذا معلوم للجميع بل هو اعتراف بالخط الأخير في معركة أعداء الثورة مع الثورة. وهذا الخط هو أضعف الخطوط أعني القوةالمادية الصرفة: والقوة المادية الصرفة تفقد كل فاعليتها بمجرد أن تلجأ إلى آخر ماتملك من أدوات التأثير أي العنف المحض.

Read More

الاثنين، 22 يوليو 2013

طبيعة الأزمة السياسية في تونس

يوليو 22, 2013 0

أبو يعرب المرزوقي
منزل بورقيبة في 2013.07.22




لنبدأ بالقول إن للأزمة السياسية في تونس (وفي مصر على حد سواء) وجهين هما مشكلتا بلاد الربيع العربي و بصورة أدق مشكلة الوضع الذي نتج عن العقود الستة التي خضعت فيها بلادنا لحكم الاستبداد والفساد الحكم الذي صحر الحياة السياسية وكاد يقضي على النخبة السياسية القادرة على قيادة البلاد سواء من بين الذين كانوا في الحكم قبل الثورة أو من نخب الثورة:

فالأولون يكاد عزرائيل أن يزور أغلبهم دون خلف وذلك بسبب استحواذهم على الحكم عقودا دون تمكين الشباب من الممارسة التي تؤهلهم لخلافتهم حتى إننا يمكن أن نقول إن الدول العربية جميعها لا يكاد يحكمها إلا من بلغ أرذل العمر.

والثانون تكاد الأمية السياسية ألا تغادرهم بحكم لهفتهم على الحكم بأية طريقة بل هم بدورهم يعانون من نفس المشكل لأن قياداتهم هي بدورها شاخت بالعربي وقد يصح على بعضها الرغبة في شيخة الكرسي بالمعنى التونسي.

ويمكن لتيسير العلاج دون نية تبسيطه يمكن أن نرد جل المشاكل التي تحدد طبيعة الأزمة السياسية إلى مشكلتين رئيسيتين. وهما مشكلتان ليستا خاصتين بمن يباشر الحكم بل هما تعمان عنصري الحكم في أي مجتمع سوي:
من يباشر الحكم بالفعل أي الأحزاب الحاكمة.
ومن يباشر الحكم بالقوة أي الأحزاب المعارضة.

والمشكلتان تسميتهما من أبسط الأمور. لكن فهم عللهما هو الذي يحتاج إلى شيء من التحليل لن نطيل الكلام عليه حتى لا يدق بالقدر الذي يرفضه القارئ عادة. وذلك ما نحاول القيام به دون الزعم بالذهاب بالتحليل إلى غايته مع التنبيه إلى أن سلسلة المحاولات يمكن أن توفر هذا المطلب لمن يريد أن يعطي للأمر ما يستحقه من صبر وجلد:

المشكل الأول هو مشكل الدستور ومستويا ظهوره الأساسيان:
إن تسمية هذا المشكل الأول رغم يسرها تقتضي أن نعين علة المشكل أعني علة التخبط في حسم مسألة النظام السياسي ما طبيعته بوصفها مجرد تجل سطحي للمرجعية التي تؤسس حضارة الجماعة وهويتها أعني العلاقة السوية بينه ممثلا للإرادة وبين الجماعة منبعا لكل إرادة حتى يحق لها أن تعتبره نظاما لها فتقبل به طوعا لا كرها متحررة من العنف الداخلي والابتزاز الخارجي.

من هنا جاءت عقدتا كتابة الدستور تجليا حقيقيا لهذا المشكل المبدئي أعني:
1-النظام السياسي المناسب للوضعية التونسية التي لا يناسبها لا النظام الرئاسي ولا النظام البرلماني ولا حتى المزيج الفرنسي الذي يكون رئاسيا عند غلبة حزب رئيس الدولة وبرلمانيا عند غلبة حزب رئيس الحكومة ومعطلا تماما عند تساكنهما.
2-والمرجعية القيمية المناسبة لشعب لا يتنكر لذاته فيفصل بين ماضيها ومستقبلها بقطيعة حضارية يشترطها التحضير المستبد أو حكم النخب التي تحتاج إلى الفساد والاستبداد لتصل إلى القيادة المفروضة بالعنف الداخلي والابتزاز الخارجي.

المشكل الثاني هو مشكل أهلية القيام بالوظيفة السياسية ومستوياها:
وأما تسمية المشكل الثاني فهي يسيرة كذلك. لكن تحديد علتها يقتضي الاعتراف بمسألة من العسير أن الاعتراف بها. إنها مسألة العقم السياسي الحالي في الساحة العربية عامة والتونسية خاصة. فعدم توفر الشروط التي تحقق الأهلية لتسيير دولة بالمعنى الحديث أمر يسعر أـن تعترف به النخبة السياسية التي تحول الأول الواقع إلى أمر واجب فتخبط خبط عشواء وخاصة عندما تراهم يتناقشون لكأنهم طلبة يتغافصون في معارك المراهقين:
فالخلل الناتج عن التصحير السياسي يتعلق بتنظيم مؤسسات التعبير عن الإرادة الجماعية بحسب الخيارات القيمية والمصلحية مادية كانت أو معنوية (الأحزاب).

والخلل الناتج عن نفس التصحير يتعلق انتخاب القيادات القادرة على تمثيل الإرادة الجماعية على نحو يتعالى على المستوى الأول من تنظيم الإرادة الجماعية.

ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك لكن ما ليس طبيعيا هو ألا يتم الاعتراف بهذه الوضعية والقبول بما يترتب عليها من تواضع معرفي وخلقي: فأنت تسمع لبعض المتكلمين في مرجعية الدستور أو في نظام الحكم كلاما تقشعر منه الأبدان لشناعته المعرفية وبذائته الخلقية. لا بد من الاعتراف بالحقيقتين التاليتين والعمل على تداركهما:
1-فليست للبلاد العربية بعد ستين سنة من الاستبداد والفساد حياة حزبية بالمعنى الصارم لكلمة حزب: لا وجود لحزب قادر على الحكم لا وحده ولا مع غيره.
2-وليس في ما يقدم على أنه أحزاب شخصيات وطنية بمعنى التعالى على الحزبيات لتكون في الوعي الجمعي ممثلة للإرادة العامة وقادرة على رعايتها: لا وجود لشخصية شابة قادرة على نيل ما يقرب من الإجماع حولها لقيادة المسيرة.

ومن ثم فلا يمكن أن نقدم حلولا مناسبة للخيارين السابقين (رئاسي برلماني) وحتى للخيار المتردد بينهما (نصف الأول أو نصف الثاني أو وسط بينهما). فما حصل في العهدين المتقدمين على الثورة أعني عهد بورقيبة وعهد ابن علي –ونفس الأمر يقال عن عهود رؤساء مصر الثلاثة قبل الثورة- قضى على الرصيد القيادي والحزبي في الحكم والمعارضة على حد سواء.
وحتى نكون منصفين فإن العهد البورقيبي قد ورث عن حقبة الكفاح التحريري الكثير من الرجالات الذين كان يمكن أن يكونوا قادرين على قيادة الدولة لو اتصف بورقيبة بأكثر حكمة فتنازل عن الحكم قبل أن يشيخ الجميع مثله ويبتذل دورهم حتى صار جلهم مجرد تابعين لحارزتي القصر وعضاريتهما في الاتحاد والنخب المغتربة والداخلية والدفاع .

ولما أتى عهد ابن علي قضي على من بقي من هؤلاء بإبعاد الصادقين منهم (مثل الأستاذ أحمد المستيري وكثير غيره) وبتوسيخ من اشترى دنياه بآخرته فشارك معه إن طويلا أو قصيرا. وهؤلاء هم الذين يحاولون الآن إرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء. لكن هيهات فالشباب بجنسيه ليس بالغفلة التي تجعله يقبل بمثل هذه الألاعيب. وعلى كل فإن لجوء هؤلاء الخرفين إلى العضاريت والبادنية دليل على فقرهم الثقافي والسياسي. والشعب التونسي إذا تحدوه كما تعدى العسكر والبلطجية شعب مصر سيبين لهم أن له ما لشعب مصر من القدرة على المقاومة لتحقيق الصلح المستقل وغير التابع بين مطالب التأصيل ومطالب التحديث المتحررين من الانحطاط والاستعمار في آن.

و من عجائب ما حصل في الثورة أن الثوار في تونس وكذلك في مصر ربما بسبب ميلهم لتغليب الخيار السلمي والمصالحة على المنطق الثوري سلموا المرحلة الانتقالية إلى أفسد ما أنتج هذان العهدان عندنا و عند المصريين:
فعند المصريين تسلمت الحكم القيادات العسكرية الفاسدة فحافظت على عنجهية الدولة العميقة التي نراها اليوم تستأسد بالعمالة مع أمريكا وإسرائيل وسلاطين التخلف العربي.
وعندنا تسلم شهود الروز ومزيفوا الانتخابات الحكم مثل المبزع الذي مكناه من أن يصبح رئيس جمهورية والسبسي الذي مكناه من أن يكون رئيس حكومة ليحافظ على الدولة العميقة كالحال في مصر.

لذلك كانت مهمة الرجلين شاهدي الزور في عهد ابن علي مهمتهما الأولى والأساسية إعداد أرضية عودة النظام القديم أو ما هو أفسد منه لأن أفسد ما في اليسار لم يعد مجرد فترينة كما كان عند ابن علي بل صار المنظر للتجتمع الجديد أي نداء تونس. وقد كانت الخطة ولا تزال تحقيق الهدفين التاليين:

الهدف الأول هو إغراق الدولة في غياهب التبعية للقريب والبعيد ممن ذهب إليهم متمسحا عساه يجد من يمده بالشرعية فيسنده في مواصلة نظام الاستبداد والفساد الذي ذاق مزاياه بعد ضعف قدرة بورقيبة وبعض الخلص من رجالاته فلم يعودوا قادرين على احترام مهابة الدولة.

الهدف الثاني هو تكوين مجموعة من "التوب" أو المندسين في الأحزاب التي كانت تقاوم في عهد ابن علي لتخريبها من الداخل كما حدث لحزب الشابي. وذلك أمر بين لكل ذي بصيرة من خلال الاستقالات الأخيرة بعد فشل بلع حزبه من الحزب المؤلف من بعض وزراء حكومة السبسي.

وما أظن الشابي يخفى عنه أن كل ما حدث كان مؤامرة للقضاء على حزبه أو على ما بقي منه بعد هزات الانتخابات. وكان يمكن للشابي رغم أخطائه الكثيرة بعد الثورة أن ينال القبول من غالبية الشعب بسبب نضاله خلال العهدين السابقين ومواقفه في سنوات الجمر ضد كل المضطهدين بخلاف ما آل إليه موقفه عندما أصبح على الأقل خلال الحملة الانتخابية معاديا صريحا للإسلاميين. لكنهم قضوا على حزبه أو على البقية الباقية منه فضلا عن ابتزاز هذه البقية بقطع التمويل.

وعندي أن الشابي يمكن أن يستعيد منزلته لو خرج من الحلف الهجين وحتى من الحزب وأخذ موقف المصدع بالحق بصرف النظر عن طموحه. فلعل التخلي عن الطموح هو الذي سيكون الطريق لتحقيقه. ويمكن لهذا الموقف خاصة إذا صحبه ما يتهم به من شخصانية متضخمة قد تفسد عليه مهمة تجميع القوى من حوله يمكن لهذا الموقف بهذا الشرط أن يجعل الخيار النهائي تميل كفته إليه.

كيف أصبح الأمر الواقع محددا للواجب

لكن الأخطر هو أن خيار النظام والمرجعية أعني جوهر المشكل الذي ليس هو مشكلا خاصا بتونس وحدها بل هو يشمل كل بلاد الربيع العربي يعالج وتقدم له الحلول ليس من منطلق المبادئ التي تبنى عليها الدول الخادمة لأمتها بل من منطلق هذه الوضعية السياسية بالخلل الذي تعاني منه حزبيا وشخصيا. فسواء أخذنا تونس أو مصر أو أي بلد عربي فإننا سنجد نفس التصحير التام للساحة السياسية ومن ثم الوضعية التي تجعل هذا الأمر الواقع منطلق الحلول المقدمة لذلك الأمر الواجب :

فمن يتصورون أنفسهم زعماء جديرين بكرسي الرئاسة سواء كانوا من أشباه الأحزاب الحاكمة أو من أشباه الأحزاب المعارضة يميلون إلى تضخيم دور رئيس الدولة حتى وإن تنازلوا عن النظام الرئاسي.

ومن يتصورون أنهم فاقدين لمرشح للرئاسة تكون له حظوظ وافرة للنجاح يميلون إلى تضخيم دور رئيس الحكومة بعد يأسهم من فرض النظام البرلماني والقبول بما يقرب منه.

و أصحاب كلا الموقفين مصابون بهوس عجيب.

فعلة الموقف الأول الرئاسوي هوس مرضي مفهوم على الأقل نفسيا: ففضلا عن سنهم التي تجعل المعركة عندهم معركة حياة أو موت لئلا تفوت الفرصة فيأخذهم عزرائيل قبل أن يصبحوا رؤساء تراهم يختارون طبيعة النظام والمرجعية بمقتضى ما يحقق هذا الطموح ولا يهمهم البحث في شروط المناسبة مع الوضع فضلا عن شروط المناسبة مع المقومات المحددة لشرط الرضا والقبول من غالبية الشعب. المهم عندهم هو إرضاء من يستمدون منه شرعية تحقيق طموحهم بمنطق التحضير المستبد.

وعلة الهوس الثاني البرلمانوي مفهوم مؤقتا لظنهم أن عدم انتظام المعارضة في حزب منافس ذي مصداقية سيمكنهم من تعيين الحكومة. لكن ذلك لا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الوطن. ففضلا عن أن ذلك ليس بالمضمون فهو خيار خطير على استقرار البلد. فمن العسير أن يحصل حزب أيا كانت مرجعيته على الأغلبية الكافية للحكم وحده. وليس من اليسير تحقيق الحكم الائتلافي حتى في البلاد المتقدمة وذات التقاليد الديموقراطية ناهيك عنه في البلاد التي لا تزال أحزابها نوادي نخبوية أو فرق شبه دينية أو مجموعات شبه قبلية أو تكتلات شبه جهوية.

أما الهوس الجامع والذي هو داهية الدواهي فهو الخضوع للابتزاز عند تحديد الخيارات الجوهرية في بناء الجمهورية الثانية الابتزاز الذي يجعل كل النخب السياسية تعترف دون تصريح بأنها لا تسعى إلى وضع نظام حكم ودستور يستجيب لحاجيات الوطن ويطابق ما يحقق القبول والرضا السلمي بل هم يريدون فرض عقائد سيدهم الذي يستمدون منه الشرعية والرضا بديلا من شعبهم حتى يقبل بهم حكاما يواصلون في جعل الأوطان تزداد تبعية فتعيش بمد اليد والتسول المستمر بحكم التبعية المادية والروحية.

وخاتمة القول:

إن غياب النخب السياسية القادرة على تسيير البلاد تسييرا يتجاوز المناكفات السياسوية والحرص على مقومات الدولة المستقرة وذات المهابة والهيبة هو الذي يجعل حل هذين المشكلين لا يعتمد على المبادئ والواجب بل يجعل الأمر الواقع أساسا للحلول فيكون تعفينا للواقع السياسي المتصحر ومواصلة للأنظمة المستبدة والفاسدة في كل البلاد العربية وخاصة في بلاد الربيع العربي-لأن ما عداها من البلاد العربية لم تزل دون الوعي بهذه القضايا إلى أن يحدث فيها زلزال الربيع إن شاء الله.

لكني واثق من أن ما يحصل في مصر بعد الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه أعداء الأمة بتشجيع الانقلاب العسكري سيجذر الثورة ويجعلها بصراحة ثورة تريد أن تضع نظام حكم ذا مرجعية يقبل بها الشعب نظاما مرجعيته متحررة من المقابلة الزائفة بين قيم التأصيل وقيم التحديث لأن قيم الحرية والكرامة وحقوق الإنسان تبين الآن أن من يدافع عنها ومن يؤمن بها ومن يحميها ليس المتكلمين عليها بل من يتهمون بالابتعاد عنها. أما المتكلمون عليها فهم الذين داسوها بأحذية العسكر المتعطش لعودة أنظمة العقود الستة الماضية.


Read More