Hot

‏إظهار الرسائل ذات التسميات طبيعة الملحمة الجارية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طبيعة الملحمة الجارية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 يناير 2014

طبيعة الملحمة الجارية 3 - أبو يعرب المرزوقي

يناير 24, 2014 0

لعل ما حصل في الموجة الثانية من الثورة (الأحداث الجارية منذ بداية الانقلابات) لعله جعل الشباب فتياته وفتيانه يدرك أن مطالب الثورة (أو غايتيها الحرية والكرامة) لا تتحقق من دون وسائل ضرورية بعضها مادي (الإرادة السياسية والقدرة الاقتصادية) وبعضها الآخر معنوي (تربية الإيمان بالذات وثقافة القدرة الإبداعية). ولست أشك في أن الكثير من الشباب النابه يتساءل الأسئلة التي تنتج عن إدراك هذه المعاني ويسعى لتحقيق البلوغ إلى الأهداف بأسبابها المادية والرمزية:

فالكثير من الشباب يتساءل دون شك عن علل التبعية السياسية وصلتها بالعجز التنموي الاقتصادي والتقني في بلاد المسلمين, رغم ما تزخر به أرضهم من ثروات مادية لا تقدر. فلا أحد من الشباب بلغت به السذاجة حد الظن بأن الأمر مقصور على خذلان الإرادة من دون صلتها بالعجز الناتج عن عدم القدرة المادية. فشروط التحرر من التبعية المادية مفقودة فضلا عن إرادة تحقيقها: فعندما لا نعالج الحيل التي استعملها العدو وعملاؤه لمنع القدرة التنموية الاقتصادية غير التابعة لا يمكن أن نفهم علل فقدان الإرادة الحرة.

والكثير من الشباب يتساءل دون شك عن علل التبعية الثقافية وصلتها بالعجز التنموي المعرفي والإبداعي في بلاد المسلمين رغم ما تزخر به حضارتهم من ثروات فكرية لا تقدر. فلا أحد من الشباب كذلك بلغت به الغفلة إلى حد الظن بأن الأمر مقصور على خذلان العقل من دون صلته بالقدرة على شروط التحرر من عدم القدرة المعرفية أو البحث العلمي. فشروط التحرر من التبعية المعنوية مفقودة فضلا عن إرادة تحقيقها: فعندما لانعالج الحيل التي استعملها العدو وعملاؤه لمنع القدرة التنموية العلمية غير التابعة لا يمكن أن نفهم علل فقدان القدرة المؤثرة.

استراتيجية العدو في منع الأمة من شروط الحرية والكرامة

بينا أن العدو وعملاءه يمنعان القدرة المادية (السياسية والاقتصادية) والقدرة المعنوية (التربوية والثقافية) ليؤسسا التبعية الدائمة بنفس الحيل التي تقضي على مقومات الكيان القادر على الحياة غير التابعة:

1-تفتيت وحدة المكان لمنع وحدة التنمية الاقتصادية والسياسية.

2-وتشتيت وحدة الزمان لمنع وحدة التنمية العلمية والإبداعية.

وهم يحاولون الآن منع شباب الثورة من فهم هذه الحقائق والعمل على معالجتها بمنطق الثورة التي لا تكتفي بطلب الأهداف بل تحقق شروط تحقيقها لأن ما كان يبدو أهدافا مباشرة تثبت التجربة ومجريات الأحداث أنها مستحيلة من دون أسبابها إيجابا (إبداع مقومات الحياة الكريمة والحرة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والتربوي والثقافي) ومن دون نفي نفيها سلبا (إزاحة العقبات الحائلة دون هذه الإصلاحات والتحقق). ولما كانوا يعلمون أن ما يجعل الشباب قادرا على النجاح في ثورته بالتغلب على هذه الحيل هو أصل حصانتهم الروحية ركزوا جهدهم الحالي على محاربة هذه الحصانة الروحية أي منظومة القيم والأسس التي تستند إليها حضارة الأمة وكل المعاني التي تجعل الذات مدركة لفرادتها ولقدرتها على أن تكون حرة وكريمة فتكون من ثم ذات رسالة تؤديها فتسهم بها في فتح آفاق جديدة لذاتها وللبشرية.

والمعلوم أن من أساسيات الاستراتيجية الحربية القضاء المتدرج على أسس قيام الأمم الحرة أعني هزيمة الجيش ماديا (السلاح) ومعنويا (عقيدة الجندي) ثم احتلال المجال الحيوي الذي يمد الجيش بالقوة المادية (الأرض) والمعنوية (ثقافة الحماية الذاتية أو الجهاد) ليصل إلى أصل ذلك كله الحائل دون الاستسلام للهزائم واعتبارها كبوات يمكن التغلب عليها ومواصلة المقاومة حتى تتحقق شروط الاستئناف الفاعل فتنتقل الأمة من المطاولة برد الفعل إلى المناجزة بالفعل الموجب فيصبح العدو في وضع المدافع بعد أن كان مهاجما.

ولما كان هذا الأصل المحقق لحصانة الأمة الروحية قد يتحول إلى مجرد فكرة في الأذهان معطلة لأن حرب العدو وعملائه تسعى إلى جعلها فاقدة لفاعليتها التاريخية الحقيقية في الأعيان فإن تحقيقها لا يمكن أن يحصل من دون استرجاع وحدة المكان جغرافيا ووحدة الزمان تاريخيا ووحدة أسباب الحياة ماديا اقتصاديا ووحدة معاني الحياة رمزيا ثقافيا فإن العدو يحاول القضاء على أصل محاولات استرجاعها روحيا بعد أن شتت هذه الوحدات وفتتها ليجعل الجسم الكلي للأمة عاجزا وفاقدا لأسباب القوة المادية (فيكون تابعا في معاشه وفي حماية ذاته) والمعنوية (فيكون تابعا في معاني حياته وقدرته على الإبداع).

الاستراتيجية كما تتحدد بنيويا وظرفيا

لذلك كانت دعوتنا الشباب إلى الانتباه إلى هذه الأدواء واقتناص فرصة الثورة للقضاء على ما ورثناه من عهد الانحطاط وعهد الاستعمار من حدود مكانية تفتت جغرافية الأمة وحواجز زمانية تشتت تاريخها وما يترتب عليهما من حد للدورة المادية والدورة الرمزية. فذلك هو شرط استعادة الأمة للقدرة على حل المشكل الاقتصادي (التنمية الاقتصادية والتقنية شرطي عدم التبعية السياسة) وحل المشكل الثقافي (بالتنمية العلمية والخلقية شرطي عدم التبعية الحضارية). وحتى نستكمل هذه الدعوة فعلينا أن نحدد الاستراتيجية التي ينبغي أن ننتهجها لتحقيق شروط الاستئناف.

فهذه الاستراتيجية لا يمكن أن تكون تحكمية أو ارتجالية بل هي لا تكون استراتيجية بحق إلا إذا نتجت عن تحليل عقلي رصين وتجنبت الارتجال الذي هو سر فشل الحركات الإسلامية في أداء دورها وخاصة عندما سلمها الشعب مقاليد الحكم في الموجة الأولى من الثورة فعجزوا عن علاج الأمور بالحكمة والرشد الكافيين بسبب العجلة واستسهال الأمور واللامبالاة بنصح الصادقين وظن القيادة مقصورة على خفة اليدين وكثرة المثرثرين. إنها استراتيجية تقبل أسسها للرد إلى مبدئين أحدهما ذاتي لها أو متعلق بالعامل البنيوي في قيام الأمم لكونه من مستمد من جوهرها عينه والثاني عرضي أو متعلق بالعمال الظرفي لكونه مستمدا من الوضع الدولي المحيط بالأمة الوضع المحدد لخصائص معاركها في ظرفية تاريخية معينة.

المبدأ الأول وما يترتب عليه استراتيجيا

ولنبدأ بالمبدأ المتعلق بالعامل البنيوي الذاتي للأمة العامل الثابت الذي لا يتغير لأنه من مقومات الوجود عامة ومقومات التعبير عن الوجود بما هو إرادة وقدرة أعني الوجود السياسي في المعترك الدولي. ولهذا المبدأ دائما صلة بالحال التي عليها أحياز قيامها تماما كما يكون مبدأ حفظ الصحة في الكائن الحي ذا صلة دائمة بمقومات الكيان الحي وخاصة بمقومات مناعته العضوية.وبالنسبة إلى الأمم فكيانها يتحدد دائما بأحياز مقامها الفعلي وبمدى سلطانها عليها أعني:

1-حال مكانها وسلطانها عليه ويناظره في الكائن الحي البدن ومعنى ذلك أن بدن الأمة هو مكانها أو حيزها في المعمورة. وتفتيت المكان يحول دون هذا الشرط.

2-وحال زمانها وسلطانها عليه ويناظره في الكائن الحي النفس ومعنى ذلك أن نفس الأمة هو تاريخها أو حيزها في تكوينية الإنسانية. وتشتيت الزمان يحول دون هذا الشرط.

3-وحال دورتها المادية وسلطانها عليها ويناظره في الكائن الحي الدورة الغذائية المادية ومعنى ذلك أن الأمة لا تكون كريمة من دون القدرة على إعالة نفسها. الحائل الأول يمنع هذا الشرط.

3-وحال دورتها الرمزية وسلطانها عليها ويناظرها في الكائن الحي الدورة الغذائية الروحية ومعنى ذلك أن الأمة لا تكون حرة من دون القدرة على إبداع شروط بقائها بفكرها. والحائل الثاني يمنع هذا الشرط.

5-وحال حصانتها الروحية ويناظرها في الكائن الحي القيام الشخصي الواعي بذاته والشاعر بحريته وكرامته. وتلك هي أصل كل سلطان ومنطلق أي سعي لاسترداد أي واحد من العناصر السابقة إذا صادف تاريخيا أن أصابه عطب (لأن البدن الفاقد للمناعة يمكن لأي نسيم أن يقضي عليه) من حيث الوحدة والقوة والمتانة والمناسبة لشروط التنافس في العصر الذي تتصدى فيه للتحديات.

ومن هذا المبدأ الأول نستنتج أن غاية الغايات ووسيلة الوسائل في آن هي عمل كل ما ينبغي عمله للقضاء على ما حل بأحيازه من أعطاب التي هي بالأساس الحدود التي وضعها الأعداء ويريد تأبيدها بمساعدة العملاء الذين نصبهم لحكم ما أصبح أشلاء من دار الإسلام. والعلاج يتمثل في تحرير الأمة من الحدود المكانية والزمانية وما يترتب على الأولى في الدورة المادية وعلى الثانية في الدورة الرمزية بالاستناد إلى ما بقي من الحصانة الروحية التي هي خط المقاومة الأخيرة في وضعنا الحالي مثلها مثل جهاز المناعة في الجسد الحي. وبذلك يصبح هدف الثورة الأساسي هو تعميم الفعل الثوري لكسر هذه الحدود لأن حصر الثورة في القطرية هو علة ضعفها وهو من ثم علة قوة عدوها خاصة والثورة المضادة هي التي بدأت فأصبحت متجاوزة للقطرية ليس بالقلب والكلام فحسب بل وبالمال واليد كذلك.

ذلك أن كل محاولات إفشال الثورة في مصر وفي سوريا وفي تونس وفي ليبيا وقبلها في الجزائر وفي العراق كلها دون استثناء تعاون عليها كل الأعداء الذين يحولون دون الأمة والعودة إلى دورها سواء كان هؤلاء الأعداء عملاء من الأقطار العربية الأخرى أو من حماتهم الاستعماريين أو منهما بحلف بين الطامعين في تقاسم دار الإسلام سواء كانوا من بين المسلمين أو من الغزاة غير المسلمين.

ومن ثم فحصر الثورة في الحدود القطرية خداع للذات يقع فيه الثوار ولن يستطيعوا أن يخلدوا للراحة في الحدود الحالية لأن غيرهم لن يتركهم وحالهم حتى لو تنازلوا عن مطالب الثورة واكتفوا بدويلة تابعة تعيش على التسول والابتزاز الدائمين لأنها بحكم حال الأحياز التي وصفنا لا يمكن أن تكون إلا تابعة في قوتها اليومي. ثم إن العدو وعملاءه تجاوزوا الحدود. والبادئ أظلم, فضلا عن كون عدم الاعتراف بالحدود كان ينبغي أن يكون من واجب الثوار القيام به حتى لو لم يبدأ العدو بتوحيد الثورة المضادة.

المبدأ الثاني وما يترتب عليه استراتيجيا

ولنثن بالمبدأ الظرفي الذي يتغير لأنه متضايف مع الوضعية الدولية التي تجريفيها المنافسة على شروط حياة الأمة وأحيازها وبالتضايف مع التحديات بينها وبين من يحيط بها من الشعوب والدول أعني صلة التحديات التي تعترضها صلتها بمكانها وبزمانها وبدورتها المادية وبدورتها الرمزية وأخيرا بحصانتها الروحية. ولما كانت الوضعية الدولية هي ظرفية فرض شروط المستفيدين من العولمة السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية وحتى الروحية فإن المعركة ليست لا قطرية فحسب بل هي ليست حتى مناطقية بل هي عالمية: إنهم أرادوا:

السيطرة على المكان بالسيطرة على الدورة المادية

والسيطرة على الزمان بالسيطرة على الدورة الرمزية

والسيطرة على السيطرات الأربع السابقة بالسيطرة على الأرواح.

لذلك فالمرحلة الحالية هي مرحلة الحرب على الحصانة الروحية لقتل حلم شباب الأمة باستعادة الدور الكوني للأمة ومن ثم الإبقاء على الحال التي فرضها الاستعمار مكانا وزمانا ودورة مادية ودورة رمزية. ولعل أفضل مثال يمكن ضربه للدلالة على آثار هذه الحرب المدمرة هو المقارنة بين موقف آبائنا الذين كانوا يفاخرون بالجهاد في أي أرض عربية أو إسلامية نصرة لأخوتهم وموقف الكثير من العملاء الذين يريدون تجريم النهوض لنصرة المجوعين في مخيم اليرموك باسم نزعة قومية تخفي مواقف طائفية بشعة أدت إلى تهديم سوريا وتسعى إلى تهديم مصر وتونس وليبيا.

ولما كانت دار الإسلام موجودة بين الأقطاب الساعية لتقاسم العالم فإنها قد أصبحت موضع تنافس عليها من خارجها (الأقطاب المحيطة بها) ومن داخلها (من يتصورون أنفسهم أقطابا يستأنفون ما قبل الإسلام من امبراطوريات) فإن الأعداء صاروا بما لايقبل الحصر. فإذا أضفنا إلى ذلك أن العولمة جعلت العدو مبهما لأنه تابع للمصالح العالمية التي تمثلها الشركات المتجاوزه للحدود فإن من يحاربنا لا يقتصر على فاعل قابل للحصر في مكان معين أو في زمان معين أو في دورة مادية معينة أو في دورة رمزية معينة أو في حصانة روحية معينة بل هو سلطان غامض ومتنكر يسيطر على العالم.

وهذه الخاصية تغير طبيعة الحرب التي علينا خوضها ويوفر لنا فرصة فهم حقيقة الرسالة الخاتمة: إنها رسالة موجهة للعالمين أعني أن ثورتنا تصبح بالجوهر ثورة كونية هدفها تحرير البشرية من الاستبداد والفساد الكونيين خلال تحريرنا لأنفسنا من أحد تعيناتهما المحليين. والمعلوم أن العدو الكوني للإنسانية والمتنكر في مجريات العولمة المادية والرمزية يستعمل صنفين من الأدوات علينا تحديد فاعليتها لمحاربتها ليس وحدنا بل بدعوة كل شباب العالم للثورة عليها حتى يكون استئناف المسلمين لدورهم مثل بدايته كوني المطالب والأهداف والتأسيس الخلقي من حيث هو رسالة كونية لتحرير الإنسانية من العبودية التي كمايعلم الجميع اعتبرها القرآن الكريم من أكبر العبادات (الجهاد من أجل المستضعفين) وأولى الكفارات (تحرير الرقاب):

فأما جنس الأدوات الأول فهو ما يمكن أن نطلق عليه اختصارا اسم الربا المادي أو الاستغلال المادي أعني ما تستعمله المافيات لاستعباد الإنسان بالتحكم في حاجات بدنه بل وبإفسادها يما يمكن أن نسميه بالمخدرات المادية أو تلويث الطبيعة. فالنخب المسيطرة على السياسة والاقتصاد مافيات تتلاعب بحاجات الشعوب المادية وتستغل أبدانها وبما فيها شعوب هذه المافيات نفسها. ومعنى ذلك أن أرباب الربا المادي في الولايات المتحدة مثلا لا يمتصون دماءنا وحدنا بل هم يمتصون دماء شعوبهم أيضا.

وأما جنس الأدوات الثاني فهو ما يمكن أن نطلق عليه اختصارا اسم الربا الرمزي أو الاستغلال الرمزي أعني ما تستعمله المافيات لاستعباد الإنسان بالتحكم في حاجات روحه بل وبإفسادها بما يمكن أن نسميه المخدرات الروحية أو تلويث الثقافة. فالنخب المسيطرة على التربية والثقافة مافيات تتلاعب بحاجات الشعوب الرمزية وتغسل أرواحها وبما فيها شعوب هذه المافيات نفسها. ومعنى ذلك أن أرباب الربا الرمزي في الولايات المتحدة مثلا لا يسعون إلى استعباد الإنسان بالتحكم في المخيال خارج أوطانهم فحسب بل حتى في بلادهم.

مدى الثورة الكوني استئنافا للرسالة

لا شك أن الكثير من الكلبيين وأشباه المثقفين يهزأون من مثل هذا الطموح الكوني للثورة الحالية تماما كما فعل كلبي و الغساسنة والمناذرة عندما نشأت الدعوة الإسلامية في بدايتها. لكن الثورة تحققت فزال المناذرة والغساسنة والامبراطوريتان اللتان كانت تحمي نظاميهما وتستعمر شعبيهما. لذلك فالثورة الحالية لا معنى لها إذا كانت دون الرسالة كونية وتأسيسا خلقيا الرسالة التي تمثل سر الحصانة الروحية لهذه الأمة. فالشباب المسلم فتيات وفتيانا لا يمكنه أن يشعر بالندية مع سلفه فيكون خير خلف لخير سلف إلا متى كانت ثورته استئنافا للرسالة. وهي تكون كذلك إذا صارت ثورة على هذين النوعين من الاستعباد في العالم النوعين الناتجين عن سيطرة المافيات المحلية والدولية على أدوات سد حاجات البدن وعلى أدوات سد حاجات الروح سيطرة مفسدة للبدن والروح في آن بل وكذلك للمعمورة نفسها بتلويث الطبيعية والثقافة في آن رغم كونهما شرط كل حياة.

وفضل هذا المعنى من الثورة أنه يضفي عليها شرعية أخلاقية تجمع بين المرجعيتين الإسلامية والحقوقية الحديثة. ذلك أنها تهدف إلى حماية الإنسانية والمعمورة من عبادة العجل عبادته التي تجعل الإنسان مرهونا للبنوك طيلة حياته وتجعل الأرض والثقافة عرضة للتلوث الدائم من أجل جشع أرباب الشركات عابرة القارات دون سد الحاجات الأولية للإنسان بل مع جعل المعمورة "غزة" أو "مخيم يرموك" محاصرين ومجوعين فلا يتنفس أهلها إلا بشروط المافيات الدولية. ومعنى ذلك أن الحرب الثورية لم تعد قطرية ولا مناطقية بل هي عالمية.

لا بد للثورة أن تشمل المعمورة كلها. ولا بد أن يكون شباب الأمة محركا لكل شباب العالم الذي هو بمقتضى نظرية الإسلام كله مسلم بإسلام الفطرة التي تجعله يرفض السلوك المافياوي المسيطر على مقدرات البشرية والمعمورة. لكنها ينبغي أن تكون حربا ثورية لا فزات إرهابية فاقدة لأي استراتيجية ذات غايات خلقية وأدوات مادية. وهي ليست دفاعا عن الذات أو عن الإسلام فحسب بل هي دفاع عن الإنسانية والقيم الروحية والعقلية في آن من منطلق مرجعية كونية يلتقي فيها العقل السليم والدين القويم.

بذلك وبذلك فقط تصبح الثورة الحالية ثورة كونية تتجاوز الدوافع الأولية لتحقق شعاراتها التي كانت في البدء لا واعية في بيتي الشابي المشهورين وفي ما تترجمانه شعريا من آيات قرآنية سبق لنا شرحها تحديدا ثوريا لمفهوم القضاء والقدر المحررين من الاستسلام للمافيات بخلاف ما جعلهما عليه عصر الانحطاط. وقد يكون في ذلك الأساس المرجعي لشرعية الثورة حتى لو بقيت في مرحلتها الحالية مقصورة على الوطن العربي والعالم الإسلامي.

لكن الغاية هي أن تكون الثورة ثورة كونية بحق لأنها ستكون استئنافا لرسالة الإسلام الساعية إلى تحرير الإنسانية من هذين النوعين من الربا ومن ثم من الاستعبادين الناتجين عنهما. ومن دون ذلك فإن تحقيق الكرامة والحرية لن يكون حقيقا ولا فعليا كما يقتضي ذلك مدلول تكريم بناء آدم ليكونوا أهلا للاستخلاف وحماية المعمورة من التلويثين المادي (نتيجة لسلوك المافية السياسية والاقتصادية) والرمزي (نتيجة لسلوك المافية التربوية والثقافية) لتكون مقاما طيبا يعيش فيه البشر أخوة كما تحدد ذلك الآية الأولى من سورة النساء.

وهذه المافيات الأربع عالمية بالجوهر لأن المافيات المحلية ليست إلا نوابها على الشعوب المستضعفة نوابها المؤبدين للاستبداد والفساد بما يحصلون عليه من فتات الاستغلال والاستعباد الدوليين للإنسانية والتلويث النسقي للطبيعة والثقافة من أجل عبادة الهوى والأخلاد إلى الأرض. لذلك فالثورة ينبغي أن تكون عالمية مثل الثورة المضادة: الثورة لتحرير الإنسانية وتخليص المعمورة طبيعة وثقافة من الاستعباد والتلويث اللذين يمثلان جوهر الثورة المضادة في عصر العولمة.
Read More

الثلاثاء، 21 يناير 2014

طبيعة الملحمة الجارية 2 - أبو يعرب المرزوقي

يناير 21, 2014 0
21 يناير،
رأينا في الفصل السابق أن مدار المعركة الجارية بين الثورة والثورة المضادة هو الموقف مما نتج عن الانحطاط الذاتي و عن الانحطاط الموروث عن المرحلة الاستعمارية ما نتج عنهما من كسر لأحياز الوجود التي من دونها لا معنى لقيام مستقل للأمة. ومن ثم فالرهان الحقيقي والمعركة التي ينبغي تسميتها باسمها الحقيقي هي حرب تحرير الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط من استعمار الضفة الشمالية لها سواء كان ذلك مباشرة أو بواسطة العملاء. إنها نفس الحرب التي تكررت منذ ما قبل الميلاد (بين روما و قرطاج) وظلت تتكرر في العهود المتوالية طيلة القرون الوسطى إلى أن بلغت ذروتها وتمامها في عهد الاستعمار عندما تقاسمت دول أوروبا بقايا الخلافة العثمانية حتى بلغت الذروة في حرب التحرير في القرن الماضي.

لكن الجديد في هذه الحرب أنها صارت بعد جلاء الاستعمار أكثر خبثا لأنها تتوسل الغزو اللطيف بدلا من الغزو العنيف فأصبحت حربا أهلية داخلية بين طالبي الاستقلال والتحرر من التبعية المادية والمعنوية وعملائه الساعين نيابة عنه إلى الحفاظ على ما وطده من شروط تجعل هذه المنطقة عاجزة عن الاستقلال. وإذن فالثورة الحالية هي في حقيقتها التي ينبغي أن تعلن صراحة حرب أهلية بين مشروعين أحدهما يؤمن بالذات ويحاول استئناف دورها التاريخي والثاني يئس منها ويقبل بالاستعمار.

وهذه الحرب تبرد أحيانا وتسخن أخرى لكنها متواصلة منذ بداية الاستعمار الأوروبي الحديث أي منذ بداية المقاومة التحريرية المعاصرة لحركة الإصلاح والنهوض في الوطن العربي والعالم الإسلامي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. لذلك فالثورة ليست بنت ما يسمى بالربيع العربي الذي لا يمثل إلا لحظة اجتماع الشروط لتعم الثورة كل الأقطار بالتزامن وبنفس المطالب الإصلاحية والتحديثية في آن. إنها حرب أهلية بين:

1-الثوار الذين يريدون تحرير الضفة الجنوبية من الأبيض المتوسط وكل المنتسبين إلى نفس الحضارة (الحضارة العربية الإسلامية) من خلال استعادة شرط شروط هذا التحرير أعني التوحيد المحقق للكرامة والحرية للمواطن والوطن في آن.

2-وأعداء الثورة الذين يريدون إبقاءها خاضعة للضفة الشمالية بمنع تحقيق شرط الشروط لتحقيق حلم روما الجديدة فتواصل استعمارها والقضاء على وحدة أحيازها والتعامل الندي معها والاحترام المتبادل بين الضفتين.

وأوروبا المتحدة التي هي روما الجديدة التي تتعامل معنا تعاملها السابق في بداية عهد الاستعمار بسياسة فرق تسد, سياسة التدخل لصالح المدافعين عن التبعية -وتساندها في ذلك الولايات المتحدة لحماية إسرائيل مما يمكن أن يحدث لو تحققت وحدة الضفة الجنوبية. وعلينا أن ندرك أنها لا يمكن أن تتعامل مع الضفة الجنوبية معاملة الند للند إلا إذا أدركت أن شباب الثورة لم يعد غافلا عن غايات المساندة اللامشروطة للثورة المضادة في الانقلابات التي تقدمت على الثورة في الجزائر واستئنفت على الثورة في مصر والتي هي بصدد الانتشار في كل أقطار الربيع.

وعلى حكماء أوروبا أن يعلموا أن شباب الثورة لن يتسامح مع التدخل الاستعماري لإجهاض ثورته التحريرية وبناء شروط حريته وكرامته. عليها أن تدرك أن شباب الثورة إذا اضطروه لذلك فلن يتركوا أوروبا خارج الصراع وهي تحرك دماها لإبقائنا خارج التاريخ. فات الزمان الذي يمكن للعدو أن يحصر الحروب خارج أرضه : فإذا لم يريدوا الأمن والعدل للجميع فمعنى ذلك أنهم سيجعلون اللاأمن والظلم للجميع. والحرب الأهلية التي ينحاز فيها الغرب الأوروبي للثورة المضادة رغم أنها تمثل نقيض قيمه ضد الثورة التي تؤمن بأفضل ما في قيمه وتعتبرها مطابقة لأفضل ما في قيمها يمكن أن تعم الأبيض المتوسط بضفتيه بل والعالم إذ إن الأخيار من البشر وكثير منهم بين شباب أوروبا يرفض هذا الوضع بصرف النظر عن كل الفروق بخلاف الأجيال التي رضعت منطق الاستعمار لن يقبلوا لغة الغرب المزدوجة في ما يتعلق بحقوق الإنسان وكرامته. لن يقبل شباب الثورة:

بتفتيت مكان أمته بالجغرافيا التي فرضها سلاطين الانحطاط سابقا والتي يريد الاستعمار تأبيدها من خلال دعم نوابه الذين يمثلون الاستعمار غير المباشر ويطلقون أيديهم بالاستبداد والفساد في خيرات البلاد وحريات العباد.

وتشتيت زمان أمته بالتاريخ الذي فرضه نواب الاستعمار لأن السلاطين كانوا على الأقل دونهم خيانة لوجدان الأمة. لكن عملاء الاستعمار يريدون أن يجعلوا لكل قطر تاريخ يخصه يجعله أمة بدلا من أن يكون جزءا من أمة.

وتقزيم دورة أمته الاقتصادية بسبب المكان المفتت فصار كل قطر ارتباطه بالمستعمر أساس بقائه وعلة قطيعته مع باقي الأقطار. وهذا الارتباط بالمستعمر يوطد التبعية ويجعل الابتزاز الاقتصادي حائلا دون أي إمكانية لحرية المواطن وكرامته.

وتهديم دورة أمته الثقافية بسبب الزمان المشتت فصار كل قطر يخلط بين الفلكور المحلي والثقافة التي تؤسس عليها الأمم تربية أجيالها التي تصبح محتقرة لذاتها ومؤمنة بأنها لا تبلغ درجة الإنسانية إلا بالتبعية الروحية لسيد مستعبديها.

وإعطاب مناعة أمته الروحية بسبب كل تلك الأدواء التي زرعها الانحطاطان الذاتي والاستعماري وتحاول نخب الثورة المضادة سواء انتسبت إلى تشويه الماضي الأهلي أو إلى تشويه الحداثة الإبقاء عليها حتى تبقى في دورها المسيطر بالاستبداد والفساد على مقدرات البلاد خدمة لحاميها مستعمر الأمس.

فالعميل من النخبة السياسة الحاكمة ومنظريها من أدعياء التحديث وأبواقها من سفهاء الإعلاميين يحتقرون الشعب ويريدون حكمه رغم أنفه بالحديد والنار بدعوى قوده إلى جنة الحداثة القشرية بالسلاسل حتى يتمكنوا نهائيا من القضاء على أساس كل صمود حضاري للجماعة خلطا بين الحداثة المبدعة والمحررة للإنسان وحداثة البهرج الاستهلاكي للنخب العميلة.

والعميل من النخبة الاقتصادية بنفس المنظرين والإعلاميين تابعون للنخبة السياسية بل هم هي بعد أن نهبوا البلاد فصاروا أغنياء يتاجرون بثروات البلاد ويتقاسمونها مع المستعمر. وهم ساعون إلى جعل البلاد العربية مجرد أسواق للخردة التي يقتلون بها شعوبهم كما نرى ذلك جاريا في سوريا ومصر والعراق وقبل ذلك في الجزائر أو مستودعات للفضلات النووية أو مناجم للمواد الخام التي تنهب أو ممرات للقوة الاستعمارية ومنتزهات لعجائزهم بل هم جعلوها ذلك كله في آن.

والسفيه من النخبة التربوية (عميل العلماء من النخبتين السابقتين المتسول على فتاتهم) خدمة للنخبتين السابقتين يحولون التربية إلى مجرد ساحة إيديولوجية للتحقير من الذات وتمجيد الاغتراب في الغير باسم تحديث قشري لا يجعل المدرسة مؤسسة تخرج المبدعين القادرين على تمكين الأمة من سد حاجاتها التي لا تسد من دون ثورة علمية وتقنية بل مجرد مستهلكين للميت من الأفكار التي لا تتجاوز سابق الرأي وبادئه. ولعلك واجد نموذج السفاهة في أولئك الذين يتصورون تعريب التربية انغلاقا وهو لا يتعدى انفتاحه على لغة أسياده التي صار يدافع عنها أكثر منهم علما وأن دعاة التعريب أكثر علما منه بجل لغات الغرب التي يعتبرون التمكن منها شرطا في التعريب الناجح كالحال في كل جامعات العالم.

والسفيه النخبة الثقافية وهم أدنى العملاء رتبة لأن أغلبهم من أرباع المثقفين (عميل العملاء من النخبتين السابقتين المتسول على فتاتهم) لا تتجاوز خدمتهم تلميع أسيادهم من النخبتين الأوليين فيحولون الثقافة إلى مجرد شطيح ورديح لا يشجع على الإبداع والتميز بل أقصى ما يصل إليه الخيال المبدع في الفنون هو التعبير عن أحوال نفوس مريضة تخلط بين التعبير المبدع للمستقبل ومجرد الاستبطان السطحي لبعض الفاشلين في حياتهم.

أما نخبة الحيز الأساس وأصل كل الأحياز أعني النخبة التي من المفروض أن تكون راعية للمناعة الروحية فإنها تنقسم إلى من ما يزال منهم في سبات عميق همه أن يبقى في خدمة أنظمة الجاهلية العربية أو إلى من يخلط بمنطق سخيف بين الجهاد الذي يحقق استراتيجية تستعيد دور الأمة الكوني من أجل استئناف رسالتها المحررة للإنسانية ومجرد التخبط العنيف لحركات لا تميز بين السعي إلى الهدف البعيد ومجرد الاقتتال من أجل أن تتقاسم ما صار تركة بلا صاحب إذ يصبحوا أمراء حرب في هذه الحركات ضمن نفس ما خلفه سعي الاستعمار وعملائه للقضاء على وحدة الأحياز التي يتعين فيها قيام الأمة بل يزيدونها تفتيتا وتبديا:

1-حيز المكان الذي أقصى ما يمكن أن يحققوه فيه بهذا السلوك لن يتجاوز الإبقاء على نفس التبعية لكون الدويلات التي عزلها الاستعمار بالحدود المغلقة فيما بينها لا تستطيع تحقيق أدنى شرط من شروط التنمية المستقلة لأن ارتباطها به اقوى من كل ارتباط آخر بمن حولها من أبناء جلدتها.

2-وحيز الزمان الذي اقصى ما يمكن أن يحققوه فيه بهذا السلوك هو مواصلة الكلام على الخصوصيات القطرية ومحاولة بناء مجد قطري حتى صار البعض يتكلم على تحديد الإسلام بالفلكور القطري كأن يقابلوا بين إسلام تونسي وإسلام تركي وإسلام أفغاني إلخ.. من المهاترات السخيفة.

3-وحيز الدورة الاقتصادية التي ستزداد تبعية لأن أمراء الحرب سيحولوها إلى مجرد معابر لتجارة الممنوعات كما نرى ذلك عندما يختلط الجهاد والإجرام المنظم في بعض الحالات إما لغفلة تمكن من اندساس المجرمين فيها أو بسبب تكوين بنيوي لهذه الجماعات التي جعلت الرسالة مجرد عبث للمغامرين.

4-حيز الدورة الثقافية التي سيحصل فيها ما يحصل في الدورة الاقتصادية لأنها ستزداد بداوة وتخلفا إذ إن التبعية في المجالات الاقتصادية الدنيا مع تكوين إمارات تخلط بين استئناف الدور بمنطق العصر ومجرد تقليد الماضي لا يمكن أن تحقق ثورة علمية أو تقنية.

5 وحيز المناعة الروحية أو القيام المستقل للأمة الذي سيجمع بين الانحطاطين إنحطاط ماضينا في العصور التي تلت العصر الذهبي والانحطاط المروروث عن الاستعمار من تحضر استهلاكي دون شروطه العلمية والتقنية ما يعني أن الحيز الذي لم يستطع الاستعمار فك وحدته يصبح مهددا من قبلهم فإذا هم يحققون ما عجز دونه الاستعمار وعملاؤه.

تلك هي الحال التي عليها الوضع وتلك هي المعارك التي على شباب الثورة أن يدرك أبعادها ليخوصها وهو على علم بمجالات التحدي وبعسر المهمة. لكنها ليست مهمة مستحيلة بل إن ظروف التاريخ الحالية تشجع عليها وتيسر سبل تحقيقها بشرط أن يواصل شباب الثورة جهده لحسم هذه المسائل. فالتجربة الأولى تمكنت بأقل مما نملك من إمكانات من تحقق ما جعل المسلمين اليوم قلب العالم. وعلى أجيالنا الحالية أن تكون أهلا لما ورثته عنهم: كيف نغير الجغرافيا والتاريخ والدورة الاقتصادية والدورة الثقافية التي فرضها الانحطاطان لكي تصبح المناعة الروحية التي يمثلها أساس قيامنا ووحدتنا أعني قيم الإسلام متحققة فعلا في الأعيان فلا تبقى مجرد أشواق وأحلام في الأذهان.

ولما كانت الثورة فرصة سانحة للتخلص من هذه الأدواء فإنها لن تكتمل بحق ولن تحقق ما طلبت به في موجتها الأولى باعتباره الغاية المباشرة أعني الكرامة والحرية إلا إذا حققت شروطهما أعني:

القدرة المادية أو التنمية المتحررة وغير التابعة سياسيا واقتصاديا (بإعادة وحدة المكان والقضاء على الحدود المكانية)

والقدرة الرمزية أو التنمية وغير التابعة تربويا وثقافيا (بإعادة وحدة الزمان والقضاء على الحدود الزمانية).

فالثورة إما أن تشمل كل الوطن أو هي ستفشل حتما. ذلك أن كلتا التنميتين مستحيلة بالنسبة إلى أقطارنا إذا باشرها كل قطر بمفرده والثورات سيقضى عليها إذا تركت في حدود القطر إذ يستفرد بها العدو فيجهضوها الواحدة تلو الأخرى. وقد فهمت دول أوروبا ذلك بعد الحرب العالمية الثانية رغم كون حجهما لا وجه للمقارنة بينه وبين حجوم أي قطر عربي حالي فهموا أن الحجم المطلوب للتحرر من التبعية ينبغي أن يكون معادلا للقوى المهيمنة أو على الأقل قابلا للمقارنة متها لكونه بات مشروطا في كل سعي لدخول المنافسة في كلتا التنميتين:

فالبحث العلمي المحقق للتنمية العلمية والتقنية المشروط في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليس في متناول أي قطر عربي بما في ذلك تلك التي تدعي الثراء لأن بها بعض آبار النفط: أغني بلد عربي دخله القومي الخام لا يساوي ما يحتاجه برنامج غزو الفضاء مثلا أو أي برنامج للبحث العلمي الأساسي في الطبيعيات.

والإبداع التقني المحقق للتنمية العلمية والتقنية المشروطين فيهما كذلك يحتاج ليس إلى البحث العلمي بمعناه أعلاه بل يحتاج كذلك إلى غزو الفضاء وغزو الكون والتنافس مع الاقتصاديات الكبرى التي تجعل التربية والثقافة وتطبيقاتهما هي بدورها مجال عمل منتج ذي مردود اقتصادي إذا توفر فيه شرط الحجم.

لذلك فالثورة هي الفرصة الثانية التي ينبغي ألا يفرط فيها الشباب لتحقيق هذه الأهداف. فقد كانت الفرصة الأولى هي حروب التحرير الشعبية التي أخرجت الاستعمار المباشر أو أجلت وجوده المادي. وهي قد كانت فرصة للتوحيد لأنها عقيدتها المحركة كانت بالإساس إسلامية ومتجاوزة للحدود. لكن الاستعمار قضى على وحدة العقيدة للمقاومين بأن ولى على البلاد التي أوهمها بأنها تحررت من كانوا مثله يؤمنون بأن المستقبل ليس للوحدة بل لهذه التفتيتات التي وصفنا.

والخوف كل الخوف هو أن تضيع الفرصة الثانية فيبقى المكان مفتتا والزمان مشتتا والدورة المادية مقزمة والدورة الثقافية ممزقة فتمتنع كل شروط التنمية المادية والرمزية ويصبح من العسير بعد فوات الفوت المحافظة حتى على الوحدة الروحية التي بدأ عملاء الاستعمار من الساسة والاقتصاديين والمربين والمثقفين يوجهون إليها السهام القاتلة حتى إنهم لم يعودوا يخفون حربهم على الإسلام نفسه فبات عدوهم الأول والأخير هو قيم القرآن وسنن محمد صلى الله عليه وسلم باسم عقل ليس لهم منه إلا الاسم وحداثة لم يفهموا منها إلى الفتات التي يرميه لهم من يعتبرهم كلاب حراسة لمستعمراته.
Read More

الأحد، 19 يناير 2014

طبيعة الملحمة الجارية - أبو يعرب المرزوقي

يناير 19, 2014 0

  طبيعة الملحمة الجارية    
  أبو يعرب المرزوقي    
تونس في 2014.01.19  

أعلم أن الكثير من "الواقعيين" الجديين ناهيك عن المستهتر من محقري الذات سيصفون ما نعرضه هنا بكونه مجرد أحلام إذا تأدبوا وأضغاث أوهام إذا أظهروا ما يعرفون به من نزعة كلبية (سينيسم). لكني مع ذلك سأواصل ما أنا متأكد من حصوله وذلك كما حاولت وصف ضرورته منذ السبعينات في كتاب الاجتماع النظري الخلدوني والتاريخ العربي المعاصر. فكل ما يجري حاليا هو نتيجة لنجاح حركة الإصلاح والنهوض لبعث الحضارة العربية الإسلامية ومن ثم لانهيار السياسة الاستعمارية التي حاولت القضاء على وحدة الأحياز الخمسة لوجود الأمة وجودها الواحد: وحدة مكانها وزمانها ودورتها الاقتصادية ودورتها الثقافية ومناعتها الروحية.
لذلك فكل محاولة لتحرير أحد الأحياز يحدد المنتسبين إلى الثورة المضادة بحيث إن أعداء الثورة يمكن حصرهم بالانطلاق من الأحياز التي هي بصدد التحرر من المآل الذي جعل الأمة قابلة للاستعمار والاستتباع. ويمكن القول إن الثورة الحالية وخاصة منذ أن بدأت موجتها الثانية بعد الانقلاب على موجتها الأولى شرعت في تحقيق التلاحم بين بؤرها في جل أقطار الأمة أي أهمها في المشرق والمغرب على حد سواء.

                             العدو الأول - العملاء المدافعون عن الجغرافيا التي فرضها الاستعمار
ذلك أن آخر ما بدأ يظهر للعيان من نجاح حركة الإصلاح ومن ثم من انهيار الخطط الاستعمارية هو بداية سقوط الجغرافيا التي رسمها الاستعمار بالتدريج لإنهاء الوحدة المكانية لقيام الأمة. والرمز في المشرق وفي المغرب على حد سواء هو التطابق بين الثورة المضادة ومحاولات الحفاظ على الجغرافيا التي رسمها الاستعمار:
فما وضعته خارطة سايكس بيكو من حدود في المشرق العربي, لم يعد لها معنى بعد أن صارت المنطقة مسرح حرب ضروس لا تزال تتحسس طريقها وأهدافها لكنها سلبا هي نهاية خارطة سايكس بيكو.
والخارطة التي وضعتها القوى الاستعمارية في المغرب العربي بدأت هي بدورها تتشقق وهي حتما آيلة إلى ما آلت إليه خارطة سايكس بيكو حتى وإن بدا أن الحدود الحائلة دون ذلك شديدة الحراسة.

                         العدو الثاني - العملاء المدافعون عن التاريخ الذي الذي فرضه الاستعمار
وما كانت هذه المرحلة الغاية تشرع في الحصول لو لم يتقدم عليها سقوط التاريخ الذي أراد الاستعمار رسمه بالتدريج لإنهاء الوحدة الزمانية لقيام الأمة. والرمز في المشرق والمغرب على حد سواء هو التطابق بين الثورة ومحاولات تحقيق أهداف حركة الإصلاح والنهضة التي بدأت تقريبا في جل أقطار الأمة بمرجعية إسلامية تعتبر عصر الراشدين النموذج الأعلى في المبادرة الحضارية والقيمية لتحرير الإنسان من الانحطاط الذي حمل للاستبداد والفساد في الحكم والاقتصاد والتربية والثقافة ومن ثم للتخلي عن القيم الروحية للأمة أساس وحدتها الحضارية والتاريخية. فكل محاولات إحياء التاريخ المتقدم على الوحدة الحضارية العربية الإسلامية فشلت وأشد فشلا منها كل محاولات بناء تاريخ قطري على المرحلة الاستعمارية.
             
                          هزيمة العدو الأول - ثمرة الإطاحة بالجغرافيا الاستعمارية لمنطقتنا
ولما طالبت الثورة بشروط الكرامة والحرية في موجتها الأولى تبين أن العائق الأساسي الذي كان مخفيا أصبح بينا  لشبابها وخاصة منذ موجتها الثانية التي أظهرت حتى للعميان أن التدخل الأجنبي يمثل أكبر عائق أمام التحرر والكرامة ليس بالابتزاز الاقتصادي فحسب بل وكذلك بالتدخل السافر في تعيين الحكام بالقوة العسكرية أو المؤامرات الإرهابية أو بالتحيل الدبلوماسي. لذلك فجل شباب الثورة بدأ يقتنع بأن هذين المطلبين غير قابلين للتحقق من دون شروطهما أعني التحرر من التبعية.
 فالتنمية الاقتصادية غير ممكنة من دون القضاء على أكبر عوائقها أعني تقزيم الأمة تقزيما يجعلها تابعة بالجوهر وذلك من خلال ما وضعه الاستعمار من حدود تحول دون تعاونها الشارط للتنمية بحيث يكون كل قطر عربي عاجزا عن توفير شروط الإرادة الحرة. وذلك هو الحيز الثالث الذي بدأت الثورة توجه إليه انتباه الشباب حتى يحرر الدورة الاقتصادية العربية من الربط التابع مع مستعمر الأمس ربطا يحول دون التنمية المستقلة التي تحمي ثروات البلاد وتحرر العباد.

                          هزيمة العدو الثاني - ثمرة الإطاحة بالتاريخ الاستعماري لمنطقتنا
وما كان شباب الثورة  يصل إلى هذه الحقائق ويعيها لو لم يتقدم على الثورة حصول الوعي الثقافي الذي زادته تجربة الثورة حدة الوعي بشروط التحرر في زمن العولمة التي جعلت مناخ العالم يقضي بألا يعيش فيه حرا وكريما إلا من كان قويا ولا قوة من دون شروط الحكم الممكن منها. فهم شباب الثورة الثقافة الجديدة في عصر العولمة.
وما كان ممكنا للأوروبيين حتى يتحرروا من الاستعمارين الأمريكي والسوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية ليس بمستحيل لنا خاصة وشروط التوحيد و التعاون أكثر توفرا لدينا منها لديهم. فهم قد تخلصوا من الأفق الضيق للدولة القومية واستعاضوا عنها بالدولة المتجاوزة للقوميات دون أن يروا في الجمع بين مواطنين قطرية وقارية ما يتناقض مع العقل السلمي فأسسا وحدتهم على حدة الثقافة والمصالح بوصفها المجال الرمزي والمجال الحيوي للجماعة. وذلك هو الحيز الرابع الذي بدأت الثورة تحقق الوعي بضرورة تحريره من الأفق الضيق للدويلات التابعة وبناء الولايات المتحدة العربية على الأقل بداية لعودة المسلمين لدروهم التاريخي الكوني.

                     استئناف الأمة دورها - شروط النصر الحتمي تحققه الثورة
وبذلك يتبين أن الثورة وخاصة في موجتها الثانية منذ الانقلاب في  الجزائر والعراق في نهاية القرن الماضي والانقلاب في مصر ومحاولات الانقلاب المتواصلة في تونس واليمن وليبيا لم تعد الثورة مجرد فزة غضب ضد الاستبداد والفساد فحسب تجري في كل قطر على حدة بل هي صارت ثورة شاملة لكل أقطار الوطن أو على الأقل لأهمها ضد قابلية التبعية والاستعمار الذي آل إليه أمر الأمة عندما انحطت شروط مناعتها الروحية فلم تعد قادرة على فهم ذاتها لما ران على وعيها بأساس مناعتها من شوائب الانحطاط الحضاري الذاتي ولا قادرة على استيعاب عصرها لما ران على فهمها من شوائب الانحطاط المستورد من الاستعمار الانحطاط الذي تواصل فرضه النخب العملية.
لكن الثورة في موجتها الثانية وبفضل غباء العملاء والسفهاء من النخب العميلة جعلت الأمة في كل أقطار الوطن تستعيد الوعي بضرورة الاعتماد على شروط المناعة الروحية حتى تصبح ثورتها ثورة ذات رسالة كونية وذات قيادات نابعة من الشعب ومعبرة عن أحلامه وآماله ومن ثم حائزة على ثقته وقادرة على استئناف الدور لتحقيق المصالحة الناجحة بين إحياء القيم الأصيلة واستنبات القيم الحديثة دون تنافر بين الثورتين الروحية والسياسية. وبذلك تتحدد طبيعة المعركة خصوصية الملحمة: إنها معركة بين مشروعين:
المشروع التابع الذي يحول دون شروط قيام الأمة من جديد أعني المشروع الذي يريد أصحابه أن يحافظوا على تشتيب المكان وتفتيت الزمان ليحولوا دون الدورة الاقتصادية القادرة على التنمية غير التابعة ودون الدور الثقافية القادرة على إبداع شروط القيام المستقل المادية والرمزية ومن ثم على القضاء النهائي على شروط المناعة حتى تذوب الأمة فتصبح من جديد تابعة لروما الجديدة أي أوروبا المتحدة و لربيبتيها أمريكا وإسرائيل.
المشروع المتحرر الذي يسعى أصحابه لتحقيق شروط قيام الأمة بالتحرر من الجغرافيا التي وضعها الاستعمار لتشتيت المكان والتاريخ الذي وضعه لتفتيت الزمان و من ثم لمنع القدرة التنموية غير التابعة والقدرة الإبداعية المستقلة ومن ثم للحيلولة دون استئناف الأمة لدورها التاريخي الكوني خوفا من القطب الذي يمكن أن ينشأ في جنوب المتوسط فيصبح ندا يمكن أن يحمي ثرواته وأهله. وهذا القطب لم يعد مجرد إمكان مستبعد بل هو صار مشروعا بصدد التحقق من خلال الثورة الجارية كما هو بين للعيان.
لذلك فلا يعجبن أحد من وصفي الأمر بالملحمة التي تجعل جيل الشباب مقدما على معركة كبيرة وهو بها جدير لأن روحانية حركة الإصلاح كما أسلفنا تغلبت في النهاية بعد قرنين من الأخذ والرد ما يعني أن كل محاولات التغريب  قد فشلت دون أن يعني ذلك قطيعة مع التقدم الإنساني: فالممثلون الحقيقيون للحداثة السوية هم من غير المتنكرين للذات ومن المتحررين من التبعية بعد أن أدركوا أن الحداثة الأصيلة لا تختلف من حيث القيم مع قيم الأصالة الحية: فكلتاهما تريد للإنسان أن يحقق معاني الإنسانية في ذاته كما يقول ابن خلدون وفي الجماعة القريبة والبعيدة كما تحدد ذلك الآية الأولى من سورة النساء التي تعتبر البشر أخوة ولا تميز بينهم بالعرق أو بالطبقة بل هي تدعوهم للتعاون والتعارف.
ومن ثم فالفرق الأساسي بين النخب الأصيلة والنخب العميلة يتمثل في أنالأولى أدركت أن مطالب الثورة لا تتحقق من دون شروطها بمنطق العصر المعولم والمتقنن ومن ثم من دون شروط المعرفة والقوة أساس كل حرية وكرامة في حين أن الثانية تكتفي بالعيش التابع على قشور الحضارة بالاعتماد على دويلات عاجزة عن توفير شروط الكرامة والحرية ومن ثم فهو دول متسولة أقصى ما يمكن أن تحققه هو أن تجعل شعبها خدما لسيدها الذي كان مستعمرها من أجل لقمة العيش التي يتفضل عليها بها من يستغل ثرواتها ويستعبد شبابها.
Read More