أعداء الثورة من هم ؟ وكيف يمكن أن نفسد عليهم خططهم ؟ 04 من 04 - أبو يعرب المرزوقي
عملاء الاستعمار ونفاقهم الوطني
لما كانت أمريكا قد يئست من احتلال الجغرافيا الطاقية وأهمها موجود في العالم الإسلامي دون كلفة تفوق الحصول عليها بمقتضى العلاقات السلمية مع أهلها كما تبين من تجربتها في البلاد التي استعملت فيها القوة الخشنة (العراق وأفغانستان) وكانت لا تزال محتلة لها في البلاد التي خرج منها المجاهدون الذين هزموها (المقاومة الإسلامية القادمة من كل بلاد العرب عامة والخليج خاصة) فإنها مضطرة لاستعمال القوة الناعمة لأن الحرب في هذه البلاد تجعل المطلوب يصبح ممتنع الاستعمال: فلا يمكن احتلال الطاقة بالقوة في شعوب الجهاد أصل من أصول فكرها فيحول دون نقلها المشروط بالسلم.
لكنها حتى هذه الحرب الناعمة خسرتها بفضل الربيع العربي وخسرها كل من يعول عليها في خوضها. فالربيع العربي قام بما يمكن أن يسمى حربا استباقية فحال دونها وكل إمكانية لربحها: وقد حصل ذلك في مركزي المغرب والمشرق العربيين أي في تونس وفي مصر وعلينا استكماله لئلا تخسر الأمة هذه الفرصة الثانية في تحقيق أهداف الاستقلال بكل أبعاده السياسية والاقتصادية لتربوية والثقافية وكل ذلك رهن ما بقي لنا من عدم تبعية روحية هي التي يحاربه أذناب الاستعمار عندنا وفي كل بلاد العرب ممن يزعمون الكلام في الحداثة وهم أكثر تخلف حتى من الهنود الحمر لأن هؤلاء على الأقل بقوا محافظين على المناعة الروحية وقاوموا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا فماعشوا أشرافا وماتوا كراما.
لذلك فأعداء الثورة أُسقط في أيديهم وهم يحاولون تشويه هذا النفس الثاني من تحرير الوطن العربي والعالم الإسلامي بعد اليأس من ربح الحرب الناعمة التي خسروها بمجرد حصول ثورة الربيع العربي التي يتهمونها بالعمالة للغرب رغم أنهم هم الذين يحاولون إعادة عقارب الساعة إلى الحرب العسكرية بإحياء كاريكاتور الإرهاب الإسلامي وتلك هي قمة العمالة للغرب: وهذا الإحياء فاشل لا محالة لأن الحرب بين صفوف الإسلاميين لن تقع. فالسلفية الصادقة ستقبل بقواعد العمل السياسي السلمي في تونس كما فعلت في مصر وهي ستتخلص ممن اندس في صفوفها من مجرمي النظام السابق وبقاياهم الحاليين.
وإذا كانت أوروبا عامة وفرنسا خاصة يوجد فيهما بعض ممن لا يزال يميل إلى إمكانية هذه العودة إلى الحرب الخشنة فإن أمريكا التي هزمت في هذه الخطة أصبحت يائسة من منها. وهي مضطرة بعقلها البراجماتي للبحث عن حلول سياسية تراعي مصالحها بشروط التعامل بين الشعوب كما هو شأن العلاقات الدولية التي تصبح ممكنة بعد الاختبار الكوني لعلاقة القوى بعضها بالبعض. فأمريكا جربت المسلمين وقياداتها أدركت بعد طول تجريب أننا أمة شديدة المراس وأن مصلحتها تقتضي التعاون معنا بدل الصدام خاصة والأخطار التي تهددها ليس مصدرها المسلمون بل هي صادرة عن الأقطاب الجديدة التي يمكن أن تنافسها على ما في أرضهم من ثروات فيكون من مصلتها التعاون مع أصحابها بدلا من تأليبهم ضدها فيتحالفوا مع الأقطاب الأخرى.
لكن ذلك لا يعني أن أمريكا سياستها بريئة أو هي تعمل لوجه الله (لم يعد المسلمون سذجا كما كانوا في بدايات القرن الماضي) بل هي ستحاول تلغيم الربيع العربي حتى تقايضه أفضل مقايضة لصالحها. وهذا أمر شرعي بين القوى. ولسنا بالغافلين عن التعامل معه بما تقتضيه مصالحنا. فالحيل السياسية ليست حكرا على الأعداء. أما سخافة العداوة بين بقايا الأنظمة الفاشية التي أفسدت الدعوة العروبية بينهم وبين الأمريكيين العداوة التي يدعيها من نعلم أنهم عملاؤها بدليل تمويلها لحلفائهم من بقايا الفاشية الشيوعية أو من صار منهم ليبراليا فهي من المزايدات الصبيانية التي تجعل البعض يزور إسرائيل ويطالب بكتابة تجريم التطبيع في الدستور. المهم هو أن أمريكا لم يعد بوسعها أن تستعمل إلا فنيات الحرب الناعمة من أجل تحقيق ما تسعى إليه من المكاسب. وأداتها الوحيدة هي تخويف العرب الذين بيدهم الثروة الطاقية من عرب الربيع العربي حتى تستفرد بالفريقين: دعوى حماية أغنياء الخليج من طمع فقراء الربيع ودعوى مساعدة فقراء الربيع للمحافظة على الرمق.
والغريب أن عملاء الاستعمار في تونس وبنفاق لا يخفى حتى على الغافلين يوهمون الرأي العام أن دوافعهم في التحقير من العرب الآخرين والهجوم على التعاون بيننا وبين أخوتنا في الخليج هو الغيرة على استقلال الوطن من استعمار بدوي ووهابي يرونهما أخطر على تونس ممن يحتمون بهم من مستعمري الأمس. والغريب كذلك أن من يعيش منهم على فتات هؤلاء العرب يدعي أنهم متخلفون بالقياس إليه وهو أجير عندهم أو عند من هو أجير عندهم: وهو لا يدري أن نخبه الحديثة التي تعملت في الغرب المتقدم وليس في الغرب المتخلف الذي تعلموا هم فيه أكثر منه انفتاحا على العالم كله شرقيه وغربية العالم الذي لا يرى منه هو إلا فرنسا التي لم تعد تمثل أفضل ما في الغرب حتى في ما يتعلق بالديموقراطية وقيم حقوق الإنسان فضلا عن التقدم العلمي والتقني والاقتصادي.
لم أر أسخف من هؤلاء الذين يحاولون بكل الطرق تشويه التعاون العربي فتصبح مساعدة تونس لقطر بالخبرة العسكرية ارتزاقا تهمة توجه إلى أهم مؤسسة من مؤسسات الوطن أعني الجيش الوطني الذي لولاه لكانت تونس كالحال في بعض البلاد الأخرى غارقة في حمام من الدم. ومثل هذا الكلام ينبس به أساطين الارتزاق الإعلامي والفكري استهانة بكرامة جيشنا الوطني. كما أن كل مساعدة اقتصادية لتونس عربية عامة وقطرية خاصة صارت تعتبر احتلالا وهابيا لكأن قطر صارت إمبراطورية العصر التي لا تغيب عن أساطيلها شمس. لكني أراهم يرقصون فرحا بتمتين التبعية للغرب عامة ولفرنسا خاصة ولمافية المال القذر بالأساس المافية التي تجعلهم هم المرتزقة في الحرب التي تخاض على قيم الأمة مدعين الدفاع عن المرحوم بورقيبة بعد سكوتهم عن إهانته لمدة أطول من مدة أهانته الاستعمارية إهانته من النظام البائد الذي يعملون بكل قواهم لصالح قياداته الخفية والعلنية دون احترام لشرف المهنة الإعلامية والمصلحة الوطنية.
إظهار الرسائل ذات التسميات السبسي. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات السبسي. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 6 يناير 2013
أعداء الثورة من هم ؟ وكيف يمكن أن نفسد عليهم خططهم ؟ 03 من 04
أعداء الثورة من هم ؟ وكيف يمكن أن نفسد عليهم خططهم ؟ 03 من 04 - أبو يعرب المرزوقي
طبيعة الخطة التي يتبعها أعداء الثورة
كانت خطة أعداء الثورة وسياستهم المحكمة بعد فشلهم الذريع في الانتخابات التي لم تفد فيها كل المناورات لتحجيم إرادة الشعب متمثلة في تفجير تلك الألغام التي وضعتها حكومتا الغنوشي وحكومة السبسي (من ذلك مثلا أن جل الاتفاقيات التي وقعت بين وزارة التربية والنقابات تمت بين غرة ديسمبر ومنتصفه أي بعد معرفة نتائج الانتخابات أقول من أسبوعين قبل تنصيب الحكومة الجديدة تمت من دون اتباع الإجراءات القانونية التي تجعلها اتفاقات ينطبق عليها مبدأ تواصل الدولة: وهي لو اتبعت الإجراءات القانونية لتبينت استحالة تطبيقها من دون مضاعفة ميزانية وزارة التربية) تفجيرها الواحد بعد الآخر مع مواصلة السيطرة على أداتي كل فعل سياسي خاضع لخطة سياسية محكمة أداتيه المضاعفتين كلتيهما والمدعيتين كلتاهما بأنهما من قام بالثورة ومن يدافع عن قيمها مع عمل كل ما في الوسع لإفشالها:
الأداة الأولى هي التحالف بين المافيتين المتحكمتين في ثروة البلاد ليواصلوا امتصاص دم الشعب:
1- مافية رجال الأعمال
2- ومافية رجال العمل
والطريقة مفضوحة كما يدركها الجميع: هي تأزيم الوضع الاجتماعي بتعطيل الآلة الاقتصادية استثمارا وإنتاجا ومنعها من العودة إلى سالف نشاطها حتى لا يتمكن الحكم من تحقيق مراحل الانتقال الديموقراطي بشرطيه العادلين أعني المحاسبة فالمصالحة.
والأداة الثانية المصاحبة لها والممولة من المافية الأولى والمعضودة من المافية الثانية هي أداة صنع الصورة الكاريكاتورية للحكم الجديد. وهذه الأداة هي بدورها أداة مضاعفة إذ هي عين الحلف بين المافيتين الأخريين أعني:
1- بعض ما يسمى بالمجتمع المدني الممول من الخارج
2- وبعض ما يسمى بالإعلام المحلي والأجنبي المتحالف مع المضادين للثورة والخائفين من خروج تونس وليبيا ومصر وكل الوطن
العربي من التبعية وتحقيق شروط الاستقلال الحقيقي بمستوياته العميقة أعني الاستقلال الاقتصادي والثقافي.
ولا يتصور أحد أن هذه المافيات على وزنها الظاهر تمثل بقواعدها لقدر مهم من الشعب التونسي أو لوزن حقيقي لو أن أصحاب الثورة لم يصبهم شيء من الجبن أمام ضوضاء الإعلام وكثرة الابتزاز بالأزمة الاقتصادية التي هي من صنعهم بما عطلوا الآلة الإقتصادية إما مباشرة بالتحركات المريبة أو بصورة غير مباشرة بالشائعات التي تخيف الاستثمار: إنما هم أقلية تمثل بطانة النظام البائد التي بقيت بعد سقوط رأس المافيات وأصلها الظاهرين وبقاء الرأس والأصل الخفي الذي صار الجميع من أصدقائه بمن بدأوا يفقدون شرف المقاومة الماضية طمعا في كرسي مقبل مع أصحاب هذه الاستراتيجية.
وبذلك فقد اجتمعت أربع مافيات يحركها الرأس والأصل الخفي في ما يسمى بالمافيات العميقة وكلها متآلبة على الثورة وأهلها من أبناء الشعب المسحوقين ومتآمرة تآمرا لا يخفى عن أي تونسي مهما كان عديم الثقافة السياسية. ولو كان في قيادة الثورة من لهم الحزم الكافي من جنس ما أقدم عليه رئيس مصر لما بقي للمتآمرين ذكر. فأغلبية الشعب لا تقبل بمثل هذه التصرفات الرعناء بل هي مستعدة لمقاومتها إذا كان لمباشري الحكم الحزم الكافي في إدارة الشأن العام والشجاعة الكافية للتصدي للتلاعب بمصير الأمة فيتحملون المسؤولية التاريخية دون اعتبار للمصالح الحزبية. لذلك فعلينا أن نحلل آليات عمل أصحابها حتى نتمكن من التغلب عليهم قبل أن يصلوا إلى جوهر غايتهم المتمثلة في إيصال الشعب إلى اللامبالاة بما يجري أو إلى التحسر على ما فات غايتهم التي يعتبرون مصيرها مترددا بين الحلين التاليين وكلاهما يعتقدون أنه يعمل لصالحهم:
فإذا لم ينجحوا في فرض حرب أهلية بين الإسلاميين أي بين النهضة والسلفية تريحهم منهم جميعا بأقل التكاليف. فوضع الحكم الحالي بين خليتين: 1- إما ترك البلاد نهبة لسلفية اللحى الاصطناعية التي اختلقوها مواصلة لما بدأ به النظام السابق للحصول على التأييد الدولي تشويها لكل ما هو إسلامي بتجنيد مجرمي الحق العام وبقايا مافيا المخدرات والمسكرات 2-أو استعمال قوة الدولة لمحاربة ما يسمى بالسلفية "بوه على خوه" ودون تمييز لعل ذلك يكفي هؤلاء "السفهاء" شر القتال.
فإنهم لن يترددوا في جر البلاد إلى أزمة لا مخرج منها إلا بحرب أهلية يتصورونها في الغاية لصالحهم حتى لو أتت على الأخضر واليابس. ذلك أنهم يعتقدون أن التوكيد على أن أصلها هو الإرهاب الإسلامي بما يخلقون له من كاريكاتور سيفرض على الغرب: 1-خنق الثورة بالابتزاز الاقتصادي وشح المساعدات 2-وإذا لم يفلح بذلك في إيقاف المد الثوري التدخل ليحسمها لصالحهم بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان قيم الحداثة. لذلك تراهم الآن يعجبون من عدم تجند الغرب لهذه الفرضية بل هو يشددون النكير على كل باحث غربي يحاول تخليص أصحاب القرار من هذا الفهم المغلوط للعلاقة بين الغرب والإسلام.
وهذه الاستراتيجية التي اتبعها الاستئصاليون من جنرالات الجزائر مقلدين فيها بغباء خطط جنرالات أمريكا الذين برروا بها محاولاتهم لاحتلال جغرافية الطاقة في العالم الإسلامي لم تعد مثمرة لو كانوا يعلمون. فأمريكا هزمت في كل حروبها الخشنة وهي تحاول بعملائها في الحرب بالقوة الناعمة أن تحقق ما فشلت فيه بالقوة العسكرية. والتآلب على الربيع العربي علته أن أصحابه أنهوا كل إمكانية لهذه الخطة: فهم قد تبنوا بناء الدولة المدنية والحقوقية والديموقراطية لئلا يتركوها وسيلة بيد العملاء الذي أعدتهم أمريكا فتصنع على مقاس من تستعمله أمريكا لاحتلال البلاد العربية بالقوة الناعمة. الربيع العربي قلب السحر على الساحر.
أعداء الثورة من هم ؟ وكيف يمكن أن نفسد عليهم خططهم ؟ 01 من 04
أعداء الثورة من هم ؟ وكيف يمكن أن نفسد عليهم خططهم ؟
أبو يعرب المرزوقي
لا بد من مصارحة الشعب
لو كان أصحاب الثورة قد حددوا طبيعة المضادين للثورة تحديدا يمكن من وضع خطة واضحة لما كان بوسع أعدائها أن يعطلوا مسيرتها بالحد الذي نلحظه حاليا في تونس ومصر وليبيا فضلا عما يجري في سورية وفي كل بلاد العرب الأخرى منعا لحدوثها عندهم ومحاولة للتآمر عليها عندنا.
لذلك فإني عائد منذ نصي التقويمي الأخير لأستأنف ما كنت أقوم به من نضال بالقلم بمتابعة شبه يومية لأحداث الثورة والكتابة في ما يمكن أن يساعد شباب الثورة الذين لم يبق سواهم للدفاع عن الثورة بعد أن غرقت الأحزاب في مناوراتها وحساباتها الضيقة مساعدتهم على فهم ما يجري حتى تكون مواقفهم على بينة ويكون عملهم على علم فيكون جهادهم واجتهادهم ذوي فاعلية تمكن إيجابا من تحقيق الأهداف وسلبا من منع الخصوم منعم من تعطيل المسيرة. وإذا تبين لي أن ذلك يعارض عملي الرسمي الحالي فسأغادره بطيب خاطر لأن الواجب يقتضي مطلق الصراحة في الاصداع بما أعتقد أنه حقيقة ما يجري.
التدارك ما يزال ممكنا
علينا الآن أن نجيب عن سؤالين منطلقين من الحكم بأن التدارك لا يزال ممكنا لتغيير مجرى الأحداث خاصة وقد تقدمت علينا مصر شروعا فعليا في القيام بما ينبغي القيام به من إجراءات ثورية تحول دون أعداء الثورة ومواصلة المناورة.
فأما السؤال الأول فهو: هل نحن قادرون على القيام بالمبادرات الموجبة لتحقيق الانتقال الديموقراطي بصورة تجعلنا نربح الحرب الناعمة ضد أعداء الربيع العربي الذي خسروا هذه المعركة ديموقراطيا ويريدون استرداد المبادرة بالعودة إلى وضع قد يلجئنا إلى الحرب الخشنة ؟
وأما السؤال الثاني فهو: هل نحن قادرون على القيام بمبادرات التصدي السالبة لمنع الرجوع بالربيع العربي إلى ما أوقعوا فيه الجزائر ومن بعدها العراق والآن سورية ما أوقعوهم فيه من حرب أهلية لا تبقي ولا تذر للحفاظ على الوضع السابق في الداخل وذلك بإيهام الغرب بضرورة المحافظة على العداء التاريخي بينه وبين المسلمين ؟
نحمد الله أن قيادات مصر قد تقدمت إلى الإجراءات الاستباقية لمنع محاولة النكوص بالثورة العربية الحالية إلى هذا الوضع المضاعف الداخلي والخارجي لأن التردد الطويل يؤدي إلى نهاية الزخم الثوري وتسطح الأمور فيصبح من حق رموز العهد البائد أن تعتبر جزءا من الحريات التي يزعم أعداء الثورة تمثيلها. وقد تأخرنا في القيام بما قامت به مصر بالفعل رغم أننا كنا السباقين في الدعوة إلى مثل هذه الإجراءات التي تراخى أهل الحل والعقد في الشأن السياسي التونسي تراخوا فلم يبادروا بها. فقد سبق أن دعونا إلى قصبتين أخريين بعد الثلاث الأول:
أولاهما كان من المفروض أن تفرض بالتفاوض والتعاقد شروط تغيير قواعد اللعبة في تونس على أصحاب المناورات في الحكومات المؤقتة الثلاثة السابقة (حكومتي الغنوشي وحكومة السبسي) لئلا يكون ما بعد الانتخابات من جنس ما قبلها.
والثانية كان من المفروض أن تحققها على أرض الواقع بقوة شباب الثورة وبمنطق "ديقاج" في حالة عدم قبولهم بأقصى ما يطلب من الشروط التي تقتضيها مهام الثورة على المضادين لها والذين أثبتت الانتخابات فشل مناوراتهم جميعا فحاولوا بعدها تلغيم الساحة حتى يتم لهم تعجيز الشرعية وجعلها رهينة مناوراتهم.
الأربعاء، 2 يناير 2013
فقاعة" السبسي أو الفشل الحتمي للثورة المضادة أي نداء تونس 02 من 02
فقاعة السبسي أو الفشل الحتمي للثورة المضادة أي نداء تونس
أبو يعرب المرزوقي
منزل بورقيبة في 19-02-1434 / 01 01 2013
زعامة السبسي مستحيلة لماذا ؟
لن أجادل أي صحفي لا يحلل المعطيات الموضوعية عندما يريد أن ينصب الزعماء بمجرد التشهي. فالرجل لم يكن قائدا في أي مرحلة من مراحل تاريخ تونس الذي كان فيه مباشرا للعمل السياسي. لماذا لم يسأل أحد هذا السؤال البدهي عندما سمع الرجل يتكلم في حواره الأخير على إمكانية حاجة تونس إليه لإنقاذها مرشحا للرئاسة لكأنه لا لوجود لمن هم أقدر منه على ذلك في حال حصول ما يدعو إلى الإنقاذ: كيف للسبسي أن يبز زعماء الجيل الموالي لعصري بورقيبة وابن علي فضلا عمن بقي حيا من جيل بورقيبة جيل ابن علي؟
لا يمكن للسبسي أن يكون زعيما إلا إذا استطاع أن يجعل حزبه حزبا ذا مصداقية فيكون قابلا لأن يقود البلد في الواقع الفعلي وليس في تضخم الشائعات الصحفية التي لا يمكن أن تنطلي إلا على الغافلين مهما زينت واجهات الجرائد وضخمت العناوين والصور. وتأسيس هذا الحزب القادر على قيادة تونس هو الأمر المستحيل لاشتراطه أمورا مستحيلة. ولا أعتقد استحالة هذه الأمور غائبة على السبسي لأنه ليس عديم الخبرة بشروط الشرعية التي تؤسس للزعامة أو عديم العلم بعدم توفرها لديه.
وهذا طبعا إذا كان حقا قد عايش بورقيبة وفهم سر نجاحه وعلل المنزلة التي كان ينزله فيها. والغريب أنه يتجاهل أنه بدعواه العودة إليه يذمه من حيث يتصور نفسه مادحا له: كيف يعود إليه دون أن يتهمه بالفشل أعني بأنه لم يحقق شروطا تجعل البلد في حاجة إلى من يتجاوزه ؟ أم هل ترى السبسي يدعي أنه هو الذي يتجاوزه رغم أنه لم يكن عنده إلا من صف متأخر وليس من القيادات الأولى في عهده وفضلا عن كون لم يكن ممن دافع عنه عندما كان حبيس من قضى على أهم ما في أرثه من ثوري حقا ؟ فبورقيبة لم يكن ليرضى بمآل التعليم ولا بتحويل تحرير المرأة إلى جعل الغاية استبدال الحرائر بالجواري. ثم إن ما كان ممكنا لبورقيبة لم يعد ممكنا حتى لمن هو من حجمه فضلا عمن هم دون ذلك بكثير: فالزعامة المستبدة التي كانت سائدة في عصره ويسميها ابن خلدون سيادة لأنها مرغوب عنها لم تعد مما يقبله العصر بعد الثورة بل المطلوب زعامة يسميها ابن خلدون رئاسة لأنها مرغوب فيها.
ولنسأل عن الزعامة المستبدة التي هي جنس الزعامة التي لا تتردد في تصفية الخصوم ماديا بديلا من الشرعية المغنية عن ذلك ما معينها. وليكن ذلك في حالة المرحوم بورقيبة. فهو قد عمل بـ"شرعية" مزيجة من السيادة والرئاسة لأنها مؤلفة من العناصر التالية التي كان يعلم أن الشرعية تستمد منها وإليها يدين السياسي ببقائه وبسر فوزه في معركة الزعامة. كان بورقيبة يعلم الحقائق التالية:
فلا بد للزعيم من شرعية نضالية لتركيز الصورة المحلية (تاريخ الحركة الوطنية)
ولا بد له من جهاز عمل سياسي (حزب) واجتماعي (نقابة). من هنا حلفه مع الزعيم النقابي أو التخلص منه عند تعذر الحلف لاستبداله بمن يحالفه.
ولا بد له من صورة دولية ذات سند خارجي إعلامي ودبلوماسي ومخابراتي وحتى عسكري للتغلب على المنافسين بكل الوسائل.
ولا بد له أخيرا من استراتيجية تحقق مزاجا عمليا يؤلف بينها حتى يتدارك ببعضها نقص بعضها الأخر كلما دعت الحاجة.
وهذه العناصر جميعها منعدمة في حالة السبسي خاصة والثورة ألغت كل إمكانية للزعامة المستبدة إذ يقبل المواطن الحر رئيسا يحترمه ويختاره لفضائله ويرفض سيدا يريد استعباده ويحتقره:
فليس للسبسي تاريخ يذكر في معركة التحرير (لم يكن ممن يعتد بهم في النخبة البورقيبية).
وليس له تاريخ يذكر في الخروج على بورقيبة (لم يكن من الخارجين في بداية السبعينات).
وليس له تاريخ يذكر في مقاومة استبداد ابن علي وفساد نظامه (بل هو كان من النظام حتى لم غادره لأن ممارسة الأعمال بنجاح لم يكن ممكن لمن يرفض الاستبداد والفساد في عهده).
لذلك فكل من يضخم حجم الرجل من شيعته كاذب ودجال. وكل من يخشاه من خصومه لا يمكن أن ننسب حكمه إلا إلى الجهل بعلل الأشياء أو إلى الخوف غير المبرر من نمر ورق. فالأمر الوحيد الذي يمكن أن يدعيه السبسي أساسا لبعض من الشرعية إنجاز شكلي قد يخفي الفشل المضموني لفترة حكمة الأخيرة أعني نجاح الانتخابات كعملية وتحقيقها لعكس ما سعى إليه. فهو قد بنى هذا النجاح على خطة ذات وجهين كلاهما يعد لدور البديل الممكن ممن سيختاره الشعب ممثلا لإرادته الثورية وذلك بين من قصة تارزي خروتشاف (شرحت ذلك في مقال سابق) وكذلك من أحداث حكمه:
الوجه الأول هو تحقيق إنجاز إيجابي شكلا (نجاح الانتخابات) لا مضمونا (لم يتمكن من تحجيم النهضة) في المرحلة الانتقالية قد يعطيه بشكله وبمضمونه شرعية ما تؤهله لنيل ما حرم منه سابقا أعني دور الزعيم المنقذ في نظر الغرب (من بداية حكمه إلى الانتخابات).
الوجه الثاني هو وضع خطة قد تمكنه من أن يدعى كمنقذ وذلك هو سر كل المعيقات التي أراد بها تعجيز كل حكم ثوري ممكن هو يعلم أنه سيكون بقيادة إسلامية بالضرورة (من الانتخابات إلى تكوين الحكومة الشرعية).
لكن الإنجاز نجح شكلا (لم يجادل أحد في النتيجة) وفشل مضمونا (لم تحجم النهضة التحجيم الكافي). والمعاجزة فشلت لأنها لم تحقق المعجزة التي كان ينتظرها السبسي معجزة الحاجة إلى الفارس المنقذ فضلا عن كون الفشل في تحجيم النهضة ألغى كل إمكانية لعودته إلى الحكم إلا بالدعم الأجنبي ومن ثم بالعمالة الصريحة التي من المساعي إليها عمليات من جنس اختيار جربة لنقل الناس إليها من أجل تظاهرة الكل يعلم الغاية مما تبثه من رسائل.
لم تفشل الترويكا وما ينسب إليها من تعثر لم يحصل بالحد الذي يجعل اللجوء إليه منقذا أمرا محتوما فضلا عن كون ما يدعيه الإعلام التابع من فشل ليس هو في الحقيقة إلا صورة كاريكاتورية لا تتجاوز أضغاث الرهطين الممثلين لحزب السبسي كاريكاتورهم عن الإسلاميين في الحكم وليس عن حقائق الحكم الحالي في تونس الحكم الذي مكن من تدارك النمو السلبي في حكمه وجعله إيجابيا بضعف ما خسر الاقتصاد الوطني في فترته.
في دلالة مهزلة جربة
لذلك فالرجل لم يبق له إلى اللجوء إلى الحيلة الأخيرة والوحيدة التي تتوفر لدى الرهطين اللذين يستمدان الشرعية من السند الأجنبي. والحيلة تهدف إلى محاولة تلميع صورتهم في الغرب منقذين لما يدعي الغرب الخوف عليه من حكم الإسلاميين. وذلك يصح في حالة تونس صحته في حالة مصر: الحداثة العلمانية وإسرائيل اليهودية. وهذه الخطة هي الفخ الأخير الذي أراد السبسي ومن يقود حركات رهطيه أرادوا نصبه للنهضة خاصة وللإسلاميين عامة. ويمكن ترجمة الرسالة التي أرادوا بعثها من تنظيم مهرجانهم في جربة التي هي كما يعلم الجميع محج يهودي على النحو التالي:
فإذا نجحت التظاهرة فنظمت وبينت وزنا شعبيا -حتى وإن كان الحاضرون قد جلبوا من كل جهات الجمهورية-فإنه قد يستمد منه بعض المصداقية التي تضخمها وتضخها الصحافة العالمية بسبب اهتمامها بمحج يهودي وبأصدقاء إسرائيل في أحد أقطار الربيع العربي.
وإذا حيل دون التظاهرة والنجاح كان الحائلون دون النجاح قابلين للحسبان على حساب النهضة فيقع نفس التضخيم والضخ من قبل نفس الصحافة لبيان من يمكن أن يتهم بمعادة السامية (لا فرق بين السبسي في هذه الحالة وبين المنبه على الهولوكوست في مصر).
كانت خطة السبسي تستهدف تحقيق نفس الغاية سواء نجحت تظاهرته أو أُفشلت. لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. فالرياح الوطنية والدولية تجري بما لا يشتهي السبسي. وهو لا يجهل السبب. لذلك فهو قد بلغ مرحلة اليأس وأصبح "يهز ويصبط" حتى يكاد المرء أن يجزم بأن الرجل فقد سلطانه على لسانه: فكلامه على نية قتله وعلى النهضة الخطر على تونس إلخ ... كلام رجل يائس حقا بل إن أيام حزبه الذي لم يتأسس بعد إلا على الورق باتت معدودة:
مجرى الرياح الغربية
فأما الرياح الدولية التي نبدأ بها فهي لا تحتاج إلى كبير تحليل. أهل الثورة المضادة في بلاد الربيع العربي لم يفهموا بعد ما فهمه الغرب الذي يحاولون استمداد السند منه. الغرب فهم أن العالم العربي والعالم الإسلامي- وذلك بعد محاولات لإخضاعه بالحديد والنار كلها فشلت وأدت إلى ما يلامس إفلاس أقوى قوة اقتصادية غربية كما هو بين من كشف حربي العراق وافغانستان-لم يعد قابلا لأن يحكم من الخارج مباشرة (حرب التحرير) أو بصورة غير مباشرة من خلال عملاء هم نوابه (الربيع العربي والإطاحة بالحكام العملاء). وقد حاول قبل الربيع العربي أن يعد نخبا لكي يحكم بهم بديلا من الأنظمة التي اهترأت:وهذه النخب هي اليوم الصوت العالي للثورة المضادة باسم الديموقراطية النخبوية ودعوى أن الشعب جاهل وأن الحداثة والعلمانية والقيم الكونية يتهددها خطر أسلمة دول الربيع العربي.
لكن الثورة الشعبية فاجأت الغرب. فالثورة لم تقدها نخبه التي أعدها بما يسمى المجتمع المدني الممول أجنبيا. وهي لم تحصل في الأجهزة التي له عليها سلطان كبير بل هي حدثت في الأحياء الشعبية وفي داخل الأقطار العربية أي في المدن والقرى والمداشر الداخلية وبين الطبقات الشعبية التي لا تزال ذات صلة وطيدة بالقيم الذاتية للحضارة العربية الإسلامية: ولما كان الغرب براجماتي فإنه رأى أن منافسيه من القوى العظمى الأخرى (الصين والهند اليابان والبرازيل وروسيا العائدة وحتى صغار القوى العظمى مثل ماليزيا وكوريا وتركيا وإيران) يمكن أن يحرموه مما هو مشروع من المصالح والتبادل مع العرب فقرر أن يتعامل مع الواقع الجديد ببراجماتية. ذلك ما لم يفهمه السبسي ونحلته وكذلك بعض القوميين واليساريين الذي تهمون الإسلاميين بالعمالية للغرب.
مجرى الرياح الوطنية والقومية
ولنأت الآن إلى الرياح الوطنية والقومية. فحتى لو فرضنا السبسي قد نجح بالتخويف من الإسلاميين عامة ومن النهضة خاصة فإن هذا التخويف لن يتجاوز القلة ممن لم يفهموا أن السند الغربي بهذه الحجة لم يعد ممكنا لأن الغرب لم يعد مهتما بما يهتم به أمثال هذه النخب المتخلفة التي لم تفهم بعد رهانات العالم الحالي وتحدياته:
ففي الصدام الممكن مع عماليق العالم الحالي عماليقه الصاعدة أدرك الغرب أنه لم يعد بوسع أمريكا وأوروبا أن تتجاهل التنافس معهم على ثروات الوطن العربي وأرض الإسلام.
وفي تجربة العلاقة بالوطن العربي وأرض الإسلام لأدرك الغرب أنه لم يعدد ممكنا التعويل على الاحتلال المباشر أو غير المباشر بل لا بد من علاقة تعاون وتحالف ممكنين.
لم يبق للسبسي إلا تخويف الرهطين اللذين أشرنا إليهما خلال تصيده في مياه المرزوقي وابن جعفر والشابي وبعض القيادات الدستورية واليسارية والقومية لأن مياه الإسلاميين عصية عليه. والأسئلة التي ينبغي وضعها هي:
هل سيتنازل المرزوقي وابن جعفر والشابي والدستوريون واليساريون والقوميون عن تاريخهم النضالي فينضووا تحت من لا تاريخ له في النضال ضد الاستبداد والفساد ؟
وهل سيقبل جمهورهم اتباعهم حتى لو سلمنا بانهم قبلوا التنازل محاربة السعي إلى التحرر الفعلي للأمة سياسيا واقتصاديا وتربويا وثقافيا بفضل ثورة الحرية والكرامة فيعودا إلى عهد ابن علي ؟
وهب السبسي استطاع أن يطمع واحدا من قيادات هذه الأحزاب بأنه سيرشحه للرئاسة فهل يمكن تصور هذا الطامع بالسذاجة التي تجعله يجعل أن السبسي لن يرشح من يقبل أن يكون تابعا لمن هو له تابع ؟
لذلك فإني أجزم بأن السبسي وحزبه أيامهما معدودة بشرط ألا نساعده بقانون التحصين الذي يتمنى صدوره لأنه يمكن أن يكون قارب نجاة له فيجمع من حوله كل الغاضبين من هذا القانون الغبي الذي يدافع عنه من لم يفهم سياسة الالتفات إلى المستقبل: فالكثير من الناس الذين يمكن أن يحرمهم هذا النص من المشاركة في خدمة الوطن لا يقلون وطنية عن المتشدقين بالسعي إلى تحصين الثورة بديلا من الشعب الذي يعرف من سيختار يوم يتقدم الناس إليه لطلب نيابته في إدارة الشأن العام.
أما من أجرم في حق الوطن أو في حق أحد المواطنين فالعدالة هي التي ستقوم بالواجب لرد الحقوق إلى أصحابها ومعاقبة المذنبين. ذلك ما يفرضه المنطق والعدل والتقاليد الإسلامية: فكم من أعداء الإسلام في الجاهلية أصبحوا من بناة صرحه بعد أن فهموا معناه ودلالته. وكم من عامل في النظام السابق قابل لأن يكفر عن ذنبه إن صح أن كان من المذنبين فيخلص للثورة ويحقق الأهداف المشروعة للأمة. لسنا أدرى بالنفس البشرية من القرآن الكريم ولا نحن أدرى بأحكام السياسة من صاحب "اذهبوا فأنتم الطلقاء". إنها شرط نجاح الثورة كما كانت شرط تحقيق إمبراطورية المسلمين.
